كلمــــــــــــات خالدة في ذاكرة الأمة للشهيد سيد قطب رحمه الله (1) تابع


قيام مملكة الله في الأرض , وإزالة مملكة البشر . وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده . وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية . . كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان . لأن المتسلطين على رقاب العباد , المغتصبين لسلطان الله في الأرض , لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان . وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض ! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال.

إن هذا الإعلان العام لتحرير “الإنسان” في “الأرض” من كل سلطان غير سلطان الله , بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين , لم يكن إعلاناً نظرياً فلسفياً سلبياً . . إنما كان إعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً . إعلاناً يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله ; ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك . . ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل “الحركة ” إلى جانب شكل “البيان” . . ذلك ليواجه “الواقع” البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

مملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم – هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة , ولا رجال ينطقون باسم الآلهة , كما كان الحال في ما يعرف باسم “الثيوقراطية ” أو الحكم الإلهي المقدس !!! – ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة ; وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

لقد بين الله للمؤمنين في أول ما نزل من الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة الدنيا أن يدفع الناس بعضهم ببعض , لدفع الفساد عن الأرض: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا , وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً”. . وإذن فهو الشأن الدائم لا الحالة العارضة . الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض . وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية الله للعالمين , وتحرير الإنسان من العبودية للعباد , رماه المغتصبون لسلطان الله في الأرض ولم يسالموه قط ; وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن “الإنسان” في “الأرض” ذلك السلطان الغاصب . . حال دائمة لا يكف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله لله.

ليس لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكا على الناس ومسيطراً عليهم , يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد . ولا جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنهي من غير أن يكون له سلطان من الملك الأعلى , هو تكبر في الأرض على الله بغير الحق , وعتو عن أمره , وطموح إلى مقام الألوهية . والذين يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكاً وأمراء إنما يشركون بالله , وذلك مبعث الفساد في الأرض , ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان.

إن دعوة الإسلام إلى التوحيد , وعبادة الله الواحد , لم تكن قضية كلامية . أو عقيدة لاهوتية فحسب . شأن غيره من النحل والملل ; بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي،أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية ; واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s