مناظرة مهمة بين الخوارج والخليفة عمر بن عبد العزيز:


مناظرة مهمة بين الخوارج والخليفة عمر بن عبد العزيز:
نذكرها ليس على سبيل أن أحد الطوائف المنتسبة للجهاد ينطبق عليها ما ورد في المناظرة من أوصاف الخوارج، وإنما تحذيرا من التشابه في بعض الوجوه. كما لا نرى الطوائف الأخرى في ورع عمر بن عبد العزيز، بل قد كثر القصور وأصبح لدى كل ما يناصَح فيه على تفاوت كبير في ضرره على مسار الجهاد ومصلحة الأمة.
كما نذكر هذه المناظرة تأكيدا على أهمية المحاورة الشرعية والعلاج الفكري كما فعل هذا الخليفة الراشد. فقد كان بإمكانه أن يقضي على هؤلاء، لكن رحمته دعته إلى استنقاذه مما هم فيه من غلو. فأين أنتم أيها العلماء لتحاوروا وتناظروا؟ عسى الله أن يهدي بكم وينقذ بكم السفينة.

ذكر ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ 154/4) أنَّ رجلاً من الخوارج اسمه بسطام بن بني يشكر، خرج في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ومعه جماعة من أتباعه، فبعث إليه عمر من يقف في وجهه، وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فكان في كتاب عمر: بلغني أنك خرجت غضبًا لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، فهلم إليَّ أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يديك نظرنا في أمرك.
فكتب بسطام إلى عمر: (قد أنصفتَ، وقد بعثتُ إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك). وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيًّا اسمه عاصم، ورجلاً من بني يشكر، فقدما إلى عمر.
وكان مما جاء في تلك المناظرة أن قالا: (رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك، وسميتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على الضلالة فالعنهم وابرأ منهم).
(والمقصود أن بني أمية كان وقع منهم ظلم فرد عمر الحقوق إلى أصحابها).
(لاحظ في قولهم هذا أمرين:
1. حِدِّية الخوارج، فالناس عندهم إما على ضلال واحد أو على هدى واحد، لا تفاوت في ذلك. بل من رأوه على ضلال ضموه لفئة الكفار كما ظهر من سائر المناظرة)
2. إلزامهم الناس بوجوب إعلان البراءة ممن اعتبروه على ضلال والإلزام بلعنه، والتدين بذلك، والصواب التبرؤ من الفعل مع الرحمة بالفاعل إن كان مسلما.
أما التبرؤ ممن ينحي الشريعة جهارا ويجعل التشريع لغير الله–وهو ما لم يفعله بنو أمية- فهذا ليس بمذموم).
فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبًا للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها. إنَّ الله عز وجل لم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم لعَّانًا، وقال إبراهيم عليه السلام : { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، وقال الله عز وجل: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، وقد سميتُ أعمالهم ظلمًا، وكفى بذلك ذمًا ونقصًا، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لابد منها. فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنتَ فرعون؟ قال (عاصم): ما أذكر متى لعنتُه. قال (عمر): أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم، ولا يسعني إلا أن ألعن أهل بيتي، وهم مصلون صائمون؟ ….
إلى أن قال عمر: (فاتقوا الله، فإنكم جهال، تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله آمنًا وحقن دمه وماله وأنتم تقتلونه، ويأمن عندكم سائر أهل الأديان، فتحرمون دماءهم وأموالهم).

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s