ما هو موقف إياد قنيبي من الإنتخابات إن فاز بها المسلمون ؟هل سيطبقون الشريعة


بعض الإخوة الذين لم يتابعوني من البداية يتصورون أنني أطالب من يستلم الحكم في بلد من البلدان من خلال الانتخابات “الديمقراطية” أن يقيم الشريعة على الرغم من أن المتنفذين الذين سينقلبون عليه ويهدمون ما بناه أو سعى إلى بنائه.

هؤلاء الإخوة لا يدركون أني لا أرى بجواز المشاركة في حكم لا يكون فيه المسلم ممكنا أصلا…

هذا طبعا عدا عن التفصيل الطويل الذي ذكرته من قبل في حرمة المشاركة في اللعبة الديمقراطية القائمة على دساتير لا تعترف بسيادة الشريعة.

فليست قضيتنا أن هذا الذي وصل إلى هذا الوضع عليه ان يقيم الشريعة، بل قضيتنا أنه ليس له أن يشارك في حكم هو ليس ممكنا فيه ثم يتعذر لنفسه بأنه غير ممكن فيقدم تنازلات عن الحاكمية ويشارك في الحكم بغير ما أنزل الله.

وفي ذلك كان أخي الدكتور أنس المحتسب حفظه الله تعالى قد كتب مقالا مهما بعد الانقلاب في مصر. نعيد نشره لأهمية الوعي الفكري والمنهجي:

أين أخطأ “إسلاميو” مصر؟ بقلم د. أنس المحتسب
قصة عزيز مصر تخبرنا أن التمكين قبل الحكم لا بعده!
أولا: يوسف الحاكم بما أنزل الله
حقيقة يقينية أولى: أن يوسف عليه السلام نبيّ رسول معصوم من الخطأ -وبالأخص الفاحش منه-، وزيادة على ذلك وصفه الله تعالى بأوصاف عديدة تزكيه فقال: “إنه من عبادنا المخلَصين”، وتكرر وصفه بأنه من المحسنين، قال تعالى: “ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما، وكذلك نجزي المحسنين”.
حقيقة يقينية ثانية: أن يوسف عليه السلام كان عزيز مصر، وكان قائما حاكما على خزائن الأرض، قال تعالى على لسان…ه عليه السلام: “قال اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم”.
حقيقة يقينية ثالثة: أن الأمر بتحكيم شرع الله تعالى كان جزءا أساسيا من موضوع رسالة سيدنا يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام، لدرجة أن يخاطب به صاحبيه وهو في السجن: “إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه”.
حقيقة يقينية رابعة: أن الله تعالى حكم على من يحكم بغير ما أنزل سبحانه بأنه كافر ظالم فاسق! قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”، وقال سبحانه: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”، وقال أيضا: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون”.
نتيجة كل هذه الحقائق السابقة: يستحيل أن يكون يوسف عليه السلام قد حكم بغير ما أنزل الله تعالى ولو للحظة واحدة في حياته!
زيادة في تأكيد هذه الجزئية فقد أخبر الله تعالى عنه في قصة أخذه أخاه: “كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله”. يقول الدكتور صلاح الخالدي -حفظه الله تعالى- في تهذيبه لتفسير ابن كثير -رحمه الله-: “لم يكن ليوسف النبي عليه السلام أن يأخذ أخاه في حكم ملك مصر، ووفق شريعته، وإنما قيض الله أن التزم له إخوته بما التزموا به، ووافقوا على أخذ السارق مقابل المسروق، لأن هذا في شريعتهم، ويوسف عليه السلام كان يعلم هذا من شريعتهم” [صفحة 1784]
ثانيا: يوسف الممكن في الأرض
حقيقة يقينية خامسة: أن يوسف عليه السلام كان ممكنا في الأرض، قال تعالى: “وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين”.
حقيقة يقينية سادسة: أن يوسف عليه السلام عرض على الملك أن يكون قائما على خزائن الأرض بعد أن علم أنه مكين أمين. قال تعالى: “وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”. يقول الدكتور صلاح الخالدي -حفظه الله تعالى- في كتابه (القصص القرآني عرض وقائع وتحليل): “وأنت (مكين) متمكن من الحرية والمسؤولية، وهذه مكانتك ومنزلتك العالية العزيزة. وأنت (أمين)، في أمان واطمئنان، لا تخشى بعد اليوم سجنا ولا اتهاما، ولا ظلما ولا عدوانا!!” [الجزء الثاني، صفحة 180]
النتيجة: الوصول إلى الحكم يكون بعد التمكين -أي امتلاك الصلاحيات- والأمان -أي الاستقرار-، لا العكس!
ولو افترضنا أن أحدا من المسلمين وُجِد في ذلك الوقت -غير يوسف عليه السلام تأدبا معه-، ورضي أن يكون على خزائن الأرض دون أن يكون ممكّنا مؤمّنا، ماذا كان سيحدث؟ حينها سيضطر في مرات عديدة أن يخضع لشروط الملك ودينه وشريعته، حفاظا على المكتسبات المتمثلة بمنصب العزيز، وقد يبرر لنفسه البقاء للحاجة الماسة لخطة لإنقاذ مصر من مجاعة محققة خاصة إن علم في نفسه قوة وأمانة تعينه على ذلك، ويضطر حينها أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ولو مرات قليلة، وزيادة على ذلك فإنه لن يستطيع تحقيق خطته لأن مسيرته الإدارية ستتعطل بتدخلات مَن فوقه في سلم الحكم.
ثالثا: أين أخطأ “الإسلاميون”؟
هذا بالضبط ما وقع فيه “الإسلاميون” في مصر وغيرها! لقد انشغلوا بأن يصلوا إلى مؤسسة الحكم دون أن يكونوا ممكنين منها ولا آمنين مستقرين لا على حكمهم ولا على أنفسهم، فاضطروا أن يتنازلوا عن قضية حاكمية الشريعة حفاظا على المكتسبات المتمثلة بمؤسسة الحكم، ظنا منهم أنهم يحققون التغيير إن تمسكوا بها، وسمحوا لأنفسهم في سابقة تاريخية أن يقرّوا بأنفسهم دستورا يحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وأن يتخلّوا عن مبادئهم التي نادوا بها، وعاشوا عقودا لأجلها، وانتخبهم الناس لها!
إن “الإسلاميين” ينظّرون اليوم بالتالي: جواز التصويت على الدستور الذي يقر الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، لتحقيق الاستقرار ومحاربة الدولة العميقة لأجل التمكن من إعادة صياغة الدستور وفق شريعة الله! وهذا التنظير يفترض ضمنا أنه ستكون هنالك فترة انتقالية -فترة تحقيق الاستقرار ومحاربة الدولة العميقة- يصح فيها للمسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله، وهذا محال محال محال، وهذا مخالف لكل ما دعا إليه “الإسلاميون” منذ بداية دعوتهم، بل هو يلغي مبرر وجودهم ابتداء!
وزيادة على ذلك لقد وقع “الإسلاميون” في وهم! وهمٌ اسمه انتخابات الشعب والشورى والرئاسة، وهمٌ يقول أننا إذا ما بلغنا هذه المؤسسات فسنكون قادرين على تغيير الواقع وتحقيق النهضة المنشودة، والحق أن تلك المؤسسات لا تعني ولا تغني شيئا إن لم تكن تملك الصلاحية الحقيقية للتنفيذ -يكفي نموذج حل مجلس الشعب بكل سهولة دليلا!-، وقديما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ولكن لا رأي لمن لا يطاع”! إن في مصر مراكز ثقل كان ينبغي للثورة أن تتمكن منها كالمؤسسة العسكرية –لا تصدقوا أنه قد تم السيطرة عليها، يكفي أن يكون للجيش بيان في ظل وجود رئيس منتخب حتى نعلم ذلك!-، والمحكمة الدستورية، وجهاز أمن الدولة، وإعلام الفلول، والكنيسة وأسلحتها، والأزهر وشيخه، وغيرها.. كل هذه كان ينبغي للثورة التمكن منها بالحد الذي يعطي صلاحيات واسعة لتغييرها، قبل أن ينشغل المصريون بأمر الانتخابات واستقرار الحكم!
يقول الأستاذ إبراهيم العسعس حفظه الله تعالى: “لا يمكن للثورة أو للفكر الثوري أن يقف عند أي نقطةٍ من نقاط المسيرة ليلتقط عرضاً ما! إنه إذن سيحكم على نفسه بالدمار، ولمشروعه بالتمييع. وإن وافق سيضطر في لحظة ما إلى التخلي عن كثير من ثوابته، يعني من مشروعية وجوده، لا عن خيانة أو عمالة، بل عن اضطرار!”
لقد كان أمام “الإسلاميين” واحد من طريقين حتى يحافظوا فيه على مبادئهم: إما أن يكونوا قادرين على إكمال مسيرة الثورة فحينها فليسعوا إلى التمكين ومن ثم إلى الوصول إلى الحكم، أو أن لا يكونوا قادرين على إكمال مسيرة الثورة وغير قادرين على التمكين فحينها لا ينبغي لهم أن يصلوا إلى الحكم. أما أن يصلو إلى الحكم ويظنوا بعدها أنهم سيكملون مسيرة الثورة وتحقيق التمكين فهذا طريق التفريط في المبادئ كما رأينا، فضلا عن أنه وهم كبير!
وإلى حين تراجع “الإسلاميين” عن أخطائهم، وعودتهم إلى مبادئهم التي تخلّو عنها، ينبغي التأكيد على أن هذه التجربة وإن كانت ستوصل “إسلاميين” إلى الحكم، إلا أنها -إن بقيت على ما هي عليه- فلن تبلغهم التمكين المنشود، فضلا عن تمكين الإسلام ذاته، والسلام.
“سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا”
كتبه: أنس المحتسب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s