الحجاب في التاريخ اليهوديّ


الحجاب في التاريخ اليهوديّ

الحجاب قبل زمن المسيح ابن مريم:
رغم ندرة الآثار المتاحة حول لباس اليهوديات في زمن ما قبل المسيح, فإنّه بإمكاننا من خلال تجميع الشذرات المتاحة أن نستنبط أنّ اليهوديات كن يغطين رؤوسهن وفي أحيان وجوههن, فقد جاء في كتاب: ((مدخل عام إلى الأسفار المقدسة)) ((A General Introduction to the Sacred Scriptures)) في مبحث ((لباس العبريات)) أنّ: ((النساء اليهوديات واليونانيات لم يكن يظهرن أبدًا في الأماكن العامة دون خمار.))[1]. ويَذكر هذا الكتاب أنّ من أسمائه: ((צמה)) و((רעלה)) و((צע’ף)).[2] ويوضّح حدوده بقوله: ((الحجاب العبري القديم كان في بعض الأحيان كبيرًا إلى درجة أنه كان يغطي كامل البدن.))[3]
الحجاب زمن المسيح ابن مريم وأثناء القرون الوسطى:
أكّد ((أدمون ستابفر)) ((Edmond Stapfer)) في كتابه عن فلسطين زمن المسيح, أنّ اليهوديات كنّ لا يخرحن إلى الشارع إلاّ ورؤوسهن مغطّاة بالكامل[4], وشهد ((معجم تندل للكتاب المقدس)) أنّ النساء اليهوديات في زمن ((بولس)) كنّ دائما يغطين رؤوسهن في الأماكن العامة.[5] وكانت اليهوديات في آخر القرن التالي له (القرن الثاني), بشهادة ((ترتليان)) النصراني, يُعرفن بارتدائهن الحجاب في الأماكن العامة, فقد قال: ((من السائد عند اليهود أن تكون رؤوس نسائهن مغطاة؛ حتّى يُعرفن.)) ((Apud Iudaeos tam sollemne est feminis eorum uelamen capitis ut inde noscantur)) [6]
كما شهد المعجم الكتابي ((Dictionary of Judaism in the Biblical Period)) أنّ العملات التي أصدرها الإمبراطور الروماني ((فسباين)) ((Vespasian)) والمسمّاة ((Judaea Capta coins)) والتي احتفى فيها باحتلال منطقة ((اليهوديّة)) و((تــدمير الهيكل)) على يد ((تيطس)) سنة 70م, تظهر أنّ الحجاب كان ((جزءًا من الملابس الخارجيّة)) [7]..

ويخبرنا الحبر ((راشي)) عن حال اليهوديات في زمانه فقال: ((تخرج النساء الإسرائيليات في البلاد العربيّة منتقبات (רעולות), في حين أنّ اليهوديات في الهند يخرجن وهن لابسات عباءة وقد شددنها بأفواههن.))[8]
اعتبرت المرأة الكاشفة رأسها خلال عهد التنايتِك[9] أنها تهين حشمتها. وإذا خرجت بدون غطاء رأس؛ تغرّم بأربعمائة (زوزيم) لهذه الجريمة.[10]
ومن خلال ما وفّرته لنا مخطوطات ((جنيزة))؛ فإنّه بإمكاننا أن نقول إنّ المرأة اليهوديّة كانت تغطّي (أحيانًا على الأقل) وجهها في القرن الحادي عشر؛ فطبق ما قاله ((جويتن)) فإنّ عَقدًا أبرمه أحد اليهود القرّائين في فلسطين في 26 يناير 1028م جاء فيه أنّ من المقتنيات التي أحضرتها الزوجة إلى بيت زوجها, أعدادًا من الخُمُر وأغطية الوجه وثيابًا طويلة تصل إلى الأرض. وفي وثيقة أخرى لزواج أحد الحاخاميين في الفسطاط (القاهرة القديمة) كان ((الخمار)) أحد المقتنيات المذكورة في العقد.[11]
ويلخّص الحبر ((Shmuel Herzfeld)) [12] الحال في القرون الوسطى, بقوله: ((كانت النساء في القرون الوسطى يغطين أجزاء من شعورهن طوال الوقت, داخل بيوتهن وخارجها, باستثناء فترة قصيرة من القرن الثاني عشر. وقد كان كشفهن لرؤوسهن عندما يسرن في الخارج يعتبر فعلاً شنيعًا جدًا.))[13]
الحجاب في العصر الحديث:
تقول الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)): ((في الأزمنة الحديثة, تغطي الأرثودكسيّات (أي المتديّنات) المتزوّجات رؤوسهن بباروكة أو خمار إذا كنّ في مكان عام.. تحلق النساء رؤوسهن قبل الزواج في التجمعـات الحسيدية[14], ويرتدين خمارًا. وتغطي غير المتزوجة في اليمن أيضًا رأسها.))[15]
وتحدّث الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) عن واقع المرأة اليهوديّة اليوم؛ فبيّن أنّ هناك من اليهوديّات من يرفضن ارتداء الباروكة ويرين وجوب تغطية الشعر كاملاً بشال, وهي ظاهرة معروفة عند اليهوديات الهنغاريات, ومنهن من يغطين رؤوسهن بشال, ويضعن في مقدم الرأس جزءًا من باروكة بادية على أنّها ليست شعرًا حقيقيًا, وهو مسلك اليهوديات في العائلات اليهوديّة الحاخاميّة في أوكرانيا, وقد أجازه بعض الأحبار كالحبر ((يعقوب أمدن)). ومنهن من يلبسن باروكة يضعن فوقها قبّعة, وهناك من يلبسن باروكة لتغطية الرأسٍ كما هو بين اليهوديات البولنديات والليتوانيات الحسيديات, وهو أيضًا عرف يهوديات ألمانيا.[16]

صورة غلاف المعجم الكتابي الشهير ((A Dictionary of the Bible)) طبعة 1908م وفيه صور باليد لما كان عليه أهل الكتاب من قبل (لاحظ النقاب وغطاء الرأس!)

[1] Joseph Dixon, A General Introduction to the sacred Scriptures, Baltimore: John Murphy and Company, 1853, 2/163
[2] المصدر السابق
[3] المصدر السابق
[4] Edmond Stapfer, La Palestine au temps de Jésus-Christ d’apres le Nouveau Testament, l’historien Flavius Joséphe et les Talmuds , Paris: Librairie Fischbacher, 1892, p.149
[5] انظر؛ Walter A. Elwell and Philip W. Confort, Tyndale Bible Dictionary, Ill: : Tyndale House Publishers,1001, p. 328
[6] الترجمة الإنجليزيّة, Tertullian, ‘De Corona,’ in the Ante-Nicene Fathers, Buffalo: The Christian Literature Publishing Company, 1887 ,3/95
انظر؛ Shaye J. D. Cohen, The Beginnings of Jewishness: Boundaries, Varieties, Uncertainties, California: University of California Press, 1999, p. 31
[7] Jacob Neusner. ed. Chief, Dictionary of Judaism in the Biblical Period:450 B.C.E. to 600 C.E., New York: Macmillan Library Reference, 1996, 2/656
[8] James Hastings, ed. A Dictionary of the Bible,Hawaii: The Minerva Group, 2004, 4/848
[9] تنايتك Tannaitic: من الكلمة العبريّة ((تنايم)) ((תנאים)) وهم حكماء الحاخاميين اليهود الذين سجّلت أقوالهم في التلمود. وتمتد فترة (( التنايتك)) في التعريف الشائع عند النقاد من سنة 10م إلى سنة 220م, وتبدأ من تلاميذ ((شاماي)) و((هلِّل)) وتنتهي عند معاصري الحبر ((يهوذا هانازي)). (انظر؛ Benno Przybylski, Righteousness in Matthew and his World of Thought, New York: Cambridge University Press, 2004, p.39)
[10] Menachaem M. Brayer, op. cit., p.139
[11] انظر؛ Fadwa El Guindi, Veil: Modesty, privacy and Resistance, NY: Berg Publishers, 1999, p.750
[12] Shmuel Herzfeld ولد سنة 1974م: حبر يهودي أرثودكسي. يرأس (الكنيس القومي) في العاصمة الأمريكيّة واشنطن دي سي. له عدد من الأبحاث والمقالات.
[13] Shmuel Herzfeld, op. cit.
[14] الحسيدية من العبريّة ((חסידות)) أي ((تقوى)), تيار ديني يهودي محافظ, أسس في القرن الثامن عشر ميلاديًا في شرق أوروبا. له وجود ظاهر في فلسطين المحتلّة بين الجماعات المحافظة.
[15] The Oxford Dictionary of the Jewish Religion, p.180
[16] انظر؛M. Schiller, op. cit.,102-103

أهميّة اللباس في اليهوديّة

نظرًا لسيطرة التيّارات الليبراليّة على الفكر الديني اليهودي المعاصر, واتّخاذ اليهوديّة شعارًا من طرف كتّاب وسياسيين من أصول يهوديّة هم في حقيقتهم يردّون القول بربّانيّة التوراة, بل ويجحدون وجود خالق للكون[1]؛ فقد استقرّ في اعتقاد كثير من الناس أنّ اليهوديّة هي الدين الذي يقدّمه هؤلاء الليبراليين أو أولئك الملاحدة..!!
ولمّا كان حديثنا في هذا المقام عن اليهوديّة كدين له أصل سماوي, خضع لتفسيرات دينيّة من طرف علمائه الذين يدورون في فلك نصوصه المقدّسة؛ فإنّ علينا أن نلزم أنفسنا أثناء تشريح الموضوع الذي نحن بصدده من خلال رؤية يهوديّة خالصة, بالنظر إليه من خلال مراجعه الأصيلة, لا المحدثة في زمن النزوع الليبرالي الذي يلغي من الدين لبّه الثابت وماهيّته المهيمنة على حقيقته.
إنّ للديانة اليهوديّة مصدرين معرفيّين تدرك من خلالهما أحكام شرائع اليهود:
1-المصدر المكتوب: أسفار العهد القديم.
2-المصدر الشفوي: اجتهادات الأحبار في تفسير الأسفار المقدّسة. ويعتبر ((التلمود))[2] أهمّ المصادر التي جمعت هذا التراث.
تتميّز الديانة اليهوديّة باهتمامها الكبير بالجانب الحياتي التفصيلي, وذلك من خلال نصوصها التشريعية, وتراثها الفقهي الضخم الذي عمل على تقديم تصوّرات دينيّة للشكل اليهودي لمسلك الفرد والجماعة.
ويحتل أمر اللباس والعورات جانبًا كبيرًا من التفكير الديني اليهودي, وله علاقة وطيدة بالعبادات والمعاملات والجنايات وأبواب أخرى كثيرة من الحقلين التصوّري الإيماني والتعبدي المسلكي .. وقد جاء في ملحق التلمود البابلي (Derek Erez, Zuta x.): ((الرجل مجد الله, واللباس مجد الرجل.)) في بيان قداسة اللباس في الوجدان الإيماني عند اليهود .. كما نصّ ((المدراش)) [3] على أنّ أحد الأسباب الأربعة لخلاص الإسرائيليين في محنتهم في مصر, هو أنّهم قد حافظوا على اللباس الذي كان يميّزهم, ولم يتنازلوا عنه لصالح لباس أهل البلد (Lv. Rab. 32.5)[4]… ويعود أمر (قداسة) اللباس في التصوّر الديني اليهودي إلى طبيعة الجوهر النفسي للإنسان؛ فقد قال علماء اليهود: ((قال الله منذ اليوم الذي بُني فيه المعبد: ((الحشمة هي أمر مناسب.)) )) (Tanhuma, Bemidbar 3)[5]
وقد كان اهتمام التشريع اليهودي بأمر اللباس الأنثوي باديًا من أوجه: الأمر والمنع التشريعيين, والقصّة, والموعظة, والحكمة …:
الأمر والمنع:
جاءت الشريعة اليهوديّة بأوامر ونواه في التحذير من اللباس الذي لا يوافق أحكام الربّ؛ من ذلك ما جاء في التثنية 22/5: ((يحظر على المرأة ارتداء ثياب الرجال، كما يحظر على الرجل ارتداء ثياب النساء؛ لأن كل من يفعل ذلك يصبح مكروهًا لدى الرب إلهكم.)) .. وفي ذلك بيان الاختلاف الكبير بين الرجال والنساء في جانب العورات والطبائع والوظائف ..
القصّة:
جاء في أمر قصّة ((آدم)) و((حواء)) بعد أكلهما من الشجرة المحرّمة: ((فانفتحت للحال أعينهما، وأدركا أنهما عريانان، فخاطا لأنفسهما مآزر من أوراق التين)) ( تكوين 3/7).. ((وكسا الرب الإله آدم وزوجته رداءين من جلد صنعها لهما.)) (تكوين 3/21)؛ ممّا يظهر أنّ للإنسان (عورة) لا بدّ أن تغطّى, وأن كشفها مخالف لطبيعة الخلق الآدمي الأوّل الذي رضيه الربّ ((لآدم)) وزوجه.
وجاء في سفر الأمثال 7/10: ((فإذا بامرأة تستقبله في زي زانية وقلب مخادع.))؛ ممّا يعني أنّ للزواني لباسًا يعرفن به, فيه من مظاهر الفساد والانحراف؛ ما يكشف المهنة الوضيعة التي رضينها لأنفسهن…
سلوك المطهّرين:
جاء التنبيه على الاهتمام بموقع نظر عين الرجل, في عدد كبير من النصوص؛ وفي ذلك دلالة على أهميّة ما تلبسه المرأة وما تكشفه لأعين الرجال وما تستره عنها, وأثر ذلك على الأمن الاجتماعي والأخلاقي للأمّة..
قال أيوب 31/1: ((أبرمت عهدا مع عيني، فكيف أرنو إلى عذراء؟)) …. فإنّ النظر إلى العذراء بريد الفساد, وسبيل الهلكة .. وفي ذلك دلالة على أنّ كشف المرأة مفاتنها للرجال, دعوة لهم إلى الفتنة ..
الحكمة:
يمثّل نَصّ سفر الأمثال 31/10-31 خلاصة مركّزة لصورة المرأة المثالية في الأسفار اليهوديّة: ((من يعثر على المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها تفوق اللآليء. بها يثق قلب زوجها فلا يحتاج إلى ما هو نفيس. تسبغ عليه الخير دون الشر كل أيام حياتها. تلتمس صوفا وكتانا وتشتغل بيدين راضيتين، فتكون كسفن التاجر التي تجلب طعامها من بلاد نائية. تنهض والليل ما برح مخيما، لتعد طعاما لأهل بيتها، وتدبر أعمال جواريها تتفحص حقلا وتشتريه، ومن مكسب يديها تغرس كرما تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها. وتدرك أن تجارتها رابحة، ولا ينطفيء سراجها في الليل. تقبض بيديها على المغزل وتمسك كفيها بالفلكة. تبسط كفيها للفقير وتمد يديها لإغاثة البائس. لا تخشى على أهل بيتها من الثلج، لأن جميعهم يرتدون الحلل القرمزية. تصنع لنفسها أغطية موشاة، وثيابها محاكة من كتان وأرجوان. زوجها معروف في مجالس بوابات المدينة، حيث يجلس بين وجهاء البلاد. تصنع أقمصة كتانية وتبيعها، وتزود التاجر الكنعاني بمناطق. كساؤها العزة والشرف، وتبتهج بالأيام المقبلة. ينطق فمها بالحكمة، وفي لسانها سنة المعروف. ترعى بعناية شؤون أهل بيتها، ولا تأكل خبز الكسل. يقوم أبناؤها ويغبطونها، ويطريها زوجها أيضا قائلا: ((نساء كثيرات قمن بأعمال جليلة، ولكنك تفوقت عليهن جميعا)). الحسن غش والجمال باطل، أما المرأة المتقية الرب فهي التي تمدح. أعطوها من ثمر يديها، ولتكن أعمالها مصدر الثناء عليها.)) .. لقد شكّلت الملابس في هذا الوصف الحيّ للمرأة التقيّة, عنصرًا أساسيًا لبيان معالم الصورة الأنثويّة الأرقى في ديانة اليهود ..
ومن الناحية الفقهيّة يستعمل اليهود كلمة ((צניעות)) (تصنيعوت) بمعنى ((عفّة)), وهي تدّل على مجموعة الأحكام التشريعيّة المتعلّقة باللباس اليهودي الشرعي, وحدود العلاقة بين الجنسين, وتستعمل بصورة متكرّرة للدلالة على لباس المرأة اليهوديّة .. وقد وردت هذه الكلمة في مثل هذا السياق في سفر ميخا 6/8: ((وتسلك متواضعًا (הצנע) مع إلهك.)), وربط الربّي ((إليعازر بن صادق)) في التلمود البابلي (Sukkah 49b) بين هذا النصّ وبين السلوك المحتشم المطلوب.
لقد اهتمّت هذه الأحكام التشريعيّة بكلّ ما يتعلّق بالسلوك العفيف للمرأة, ومنه طبعًا اللباس الذي يوافق أحكام شرائع الأسفار العبريّة .. وتمّ بذل عناية خاصة بهذه الأحكام من ناحية الاستنباط الفقهي عند أحبار اليهود, والتزمت المجتمعات اليهوديّة القديمة عامة برعايتها؛ حتّى إنّ المرأة اليهوديّة المتزوّجة كانت تدان بالفساد الأخلاقي إذا كشفت شيئًا من المواضع التي من العادة تغطيتها, كما أنّ كشفها لما يعادل شبرًا من جسدها كان يعدّ فعلاً إباحيًا.[6]
وبالنظر في (1) أسفار العهد القديم (2) والفقه اليهودي المقدّس (3) والممارسة اليهوديّة الأصيلة؛ بإمكاننا أن نخلص إلى أنّ الحجاب فريضة ربّانيّة في الدين اليهودي, وإن ضيّع عامة اليهود اليوم هذه الشريعة.
وفي التالي من الكلام, بيان تفصيلي ..
****
[1] من أبرز الأمثلة في هذا الشأن, إمام الصهيونية المعاصرة ((تيودور هرتزل)) (1860م- 1904م) الذي كان ملحدًا, وهو من الذين نادوا في نفس الآن بإنشاء دولة يهوديّة لليهود.
[2] التلمود: موسوعة تتضمّن أمور الدين والشريعة والتاريخ والتأمّلات الميتافيزيقيّة والعلوم الطبيعيّة والفلك والقصص الشعبي اليهودي. انظر؛ محمد بيومي مهران, بنو إسرائيل, الإسكندريّة: دار المعرفة الجامعيّة,1999, 3/ 217-218
[3] مدراش מדרש: لغة: بحث أو درس. اصطلاحًا: مجموعة (وأيضًا منهج) تفاسير الأحبار التي تنأى عن الشرح الحرفي, وتعتمد المنهج (الإشاري) و(المقارن) بربط النصوص ببعضها.
[4] انظر؛ R. j. Zwi Werblowsky and Geoffrey Wigoder, eds. The Oxford Dictionary of the Jewish Religion, New York: Oxford University Press, 1997, 177
[5] Dina Coopersmith, ‘Beneath the Surface: A Deeper Look at Modesty,’ in Sarah Tikvah Kornbluth and Doron Kornbluth, eds., Jewish Women Speak About Jewish Matters, MI: Targum Press, 2000, 56
[6] انظر؛ Menachaem M. Brayer, The Jewish Woman in Rabbinic Literature: A psychological Perspective, Hoboken, N.J: Ktav Publishing House, 1986, p.139

الحجاب في الفقه اليهودي

استقرّ في الذهنيّة العلميّة لأحبار اليهود أنّ المرأة مصدر جاذبيّة للرجل, وأنّ التوراة قد عملت على منع حدوث الفتنة من التقاء النفس المثيرة والنفس المستثارة, وقد وجدوا في الأسفار المقدّسة بغيتهم لتأكيد حرمة كشف المرأة رأسها, من خلال اعتماد أكثر من مسلك استنباطي: بمراقبة دلالة لفظ, أو بالتفتيش في لحمات السياق, أو بردّ القضايا العينيّة إلى إطلاقات النصوص..وقد جُمع هذا التراث الفقهي في عدد من المصادر؛ من أهمها التلمود بمشناه, كما ظهر هذا العمل الاستنباطي في كتب الشروح والتقنين المتأخّرة لأفراد الفقهاء –كما هو الأمر مع ((موسى بن ميمون))- أو في الكتب ذات الطابع التأمّلي بنزعتها الصوفيّة؛ كالمدراشات والزوهار..
الإجماع على وجوب تغطية الرأس:
نقل الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) إجماع فقهاء اليهود على حرمة أن تكشف المرأة اليهوديّة المتزوّجة كامل شعرها في الشارع؛ فقال: ((يبدو أنّه لا يوجد مصدر تشريعي (نصّ أو فقيه) مقبول يسمح للمرأة المتزوّجة بأن يكون كامل شعرها مكشوفًا في الأماكن العامة. )) ((In public there appears to be no accepted halachic source to permit a married woman to have her hair totally uncovered))[1] , وقال أيضًا: ((يعتبر اليوم أمر تغطية المرأة شعرها عند المشرّعين (اليهود) في العالم, حُكمًا موضوعيًا, وتبقى مسألة طريقة (ارتداء الحجاب) متأثّرة بالتحوّل الاجتماعي, دون أن يمسّ ذلك أصل الحكم)) ((Today, woman’s hair covering is seen as an objective norm throughout the halachic world, the method of which may be influenced by social change, but not the basic requirement))[2]
وقد نقل نفس الإجماع أيضًا الحبر ((جتزل إلنسون)) ((Getsel Ellinson)) في قوله: ((كلّ السلطات (العلميّة) متّفقة بصورة تامة على أنّ المرأة المتزوّجة ملزمة بألاّ تغادر بيتها بشعر مكشوف. اختلاف الآراء منحصر في أمر تفاصيل هذا التحريم.))[3].[4]
شعر المرأة عورة:
قال الحبر ((ششث)) ((ששת)) في التلمود صراحة: ((شعر المرأة عورة)) ((שער באשה ערוה)) (Berachoth 24a), وهو أيضًا ما قرّره الحبر الشهير ((يعقوب بن آشر)) الذي كان من أشهر علماء اليهود في القرون الوسطى, في كتابه التشريعي اليهودي الشهير ((ארבעה טורים)) [5], وقال الفقيه اليهودي البارز, الحبر ((يعقوب ب. ميير))[6]: ((يشير نصّ ((شعر المرأة عورة)) إلى (مسألة شرعيّة) النظر إليه.))[7], وهو ما وضّحه العالم التلمودي اليهودي: ((Ravad of Posquires)) [8] بقوله إنّ الرجل ((ممنوع من النظر إلى أيّ موضع من المرأة ولو كان إصبعًا صغيرًا أو شعرها.))[9]
وقد ذكر التلمود أنّ الحبر ((ششت)) قد قال إنّه ((إذا حدّق الواحد في الإصبع الصغير للمرأة؛ فكأنّما حدّق في الموضع السريّ من جسدها (أي فرجها))) ((כל המסתכל באצבע קטנה של אשה כאילו מסתכל במקום התורף)) (Berachoth 24a)؛ وفي ذلك دلالة على أنّ جسد المرأة بالنسبة للرجل في اليهوديّة, مصدر انجذاب جنسي لا بدّ من نأي الأعين عنه.
كما قرّر العديد من أعلام فقهاء اليهود أنّ على المرأة أن تغطّي رأسها بناء على القاعدة التشريعية اليهوديّة المسمّاة ((לפני עיור)) (لفني عيور)[10] والتي تُعنى برعاية الجوانب الأخلاقيّة والسلوكيّة. ورتّب التلمود على تعدّيها حكم (الحرمان) (חרם) بإقصاء من خرقها من المجتمع اليهودي وردّ انتمائه إليها. وقد قرّر فقهاء اليهود هذا الحكم بناء على هذه القاعدة؛ لأنّ المرأة بابتذالها في اللباس تقود الرجل إلى أبواب الخطيئة.[11]
الحجاب من العرف المقدس:
جاء في التلمود (Kethuboth 72a): ((ואלו יוצאות שלא בכתובה העוברת על דת משה ויהודית ואיזו היא דת משה מאכילתו שאינו מעושר ומשמשתו נדה ולא קוצה לה חלה ונודרת ואינה מקיימת ואיזוהי דת יהודית יוצאה וראשה פרוע …)) ((هؤلاء يُطَّلقن دون أن يعطين كتابهن[12]:الزوجة التي تنتهك شريعة موسى أو العرف اليهودي. ماالذي يعدّ انتهاكًا لشريعة موسى؟ الجماع عند حيضها … ماالذي يعدّ انتهاكًا للعرف اليهوديّ؟ الخروج برأس مكشوف …)) ويضيف التلمود في شرحه أنّ مدرسة الحبر ((إسماعيل)) قد فهمت أنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ التوراة تمنع بنات إسرائيل من الخروج برؤوس مكشوفة.
وقد ذكر الحبر ((جتزل إلنسون)) أنّ ((جلّ السلطات (العلميّة) في الحقيقة تتعامل مع مسألة خروج (المرأة) بشعر مكشوف على أنّه خرق لتحريم توراتي.))[13]
ونظرًا لما قد يبدو في النص التلمودي السابق من تمييز بين الشرع الموسوي والشرع العرفي؛ فقد أكّد عدد من أعلام الفقه اليهودي على أنّ العرف اليهودي المقصود هنا هو مسلك ديني ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ وقد قرّر الحبر ((إسرائيل ميير بوبكو))[14] في كتابه الفقهي الكبير ((مشناه بروراه))[15] أنّ إلزام المرأة بتغطية الرأس لا تعلّق له في الفقه اليهودي بأعراف المجتمعات وإنما هو أمر متعلّق بالمعايير الموضوعيّة للعفّة التي لا تتأثّر بطبائع المجتمعات وتحوّلاتها.[16]
ونقل الحبر ((ماير شلر)) أنّه لم يقل أحد من ((البوسقيم)) [17] أنّ تغيّر الأعراف من الممكن أن يؤدّي إلى السماح للمرأة أن تكشف شعرها.[18]
ويعتبر الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) من أهمّ من أكّد على أنّ هذا الحكم التلمودي بمنع المرأة من كشف رأسها, إنّما يعود إلى نصوص التوراة ذاتها؛ فقد فسّره بقوله: ((هذه الأمور, إذا خالفت (المرأة) واحدًا منها؛ عُدّت خارقة لشريعة موسى: أن تخرج إلى الشارع بشعر مكشوف. وما هو عرف اليهود؟ إنّه كلّ عرف متعلّق بالعفّة التي اعتادتها بنات إسرائيل. هذه هي الأمور التي إذا تعدّت واحدة منها؛ فقد خرقت العرف اليهودي: أن تخرج إلى الشارع أو زقاق مفتوح برأس مكشوف دون غطاء كما هو صنيع كلّ النساء, حتّى ولو كان شعرها مغطّى بشال.))[19]
ويعتبر الحجاب –في نظر فقهاء اليهود- طابعًا خاصًا بالمرأة اليهوديّة يميّزها عن غيرها بهذا المسلك الأخلاقي المتميّز والراقي؛ ولذلك قال ((فلنا غاون)) في تعليقه على ((الجمارا)): ((ليس من مسلك بنات إسرائيل أن يسرن في الشارع برؤوس مكشوفة))[20] ..
وقد عُدّ الحجاب علامة من العلامات التي تتميّز بها المرأة اليهوديّة عن المرأة الوثنيّة؛ حتى إنّه قد جاء في مدراش سفر العدد 9/16 أنّ الوثنيّات فقط, هن من يخرجن برؤوس مكشوفة, وفي ذلك تعبير شديد على إدانة السفور وربطه بالعبادات الوثنية المرذولة!
الحجاب دلالة على العفة:
يقول الدكتور ((مناحيم م. براير)) ((Menachem M. Brayer))[21] في كتابه ((النساء اليهوديات في أدب الأحبار)): ((كان من عادة النساء اليهوديات أن يخرجن بغطاء رأس، وفي بعض الأحيان يغطين كل الوجه إلا عينًا واحدة.))[22] . وقد استند على نصّ التلمود في (Shabbath 80a)؛ إذ قد جاء في هذا النصّ في حديثه عن استعمال النساء للزينة, قول الحبر ((هونا)) ((הונא)): ((المرأة التقيّة تستعمل الكحل لعين واحدة)) ((צנועות כוחלות עין אחת)).
وقد ذهب الحبر ((صموئيل)) ((שמואל)) والحبر ((نحمني)) ((נחמני)) في نفس الموضع السابق من التلمود إلى أنّه يجوز استعمال الكحل للعينين معًا من باب التزيّن, فقط لنساء القرى الصغيرة؛ ويبدو أنّهما قد اختارا هذا القول لاعتقادهما أنّ باب الافتتان في القرى الصغيرة أقلّ ..
وجليّ من الحديث عن استعمال الزينة لعين واحدة فقط, أنّ هذا النص متعلّق بفريضة انتقاب المرأة, وهو ما فهمه عدد من النقاد من هذا النصّ.[23]
تمثّل امرأة اسمها ((قمحيث)) ((קמחית)) في الكتابات الدينيّة اليهوديّة, رمزًا من رموز العفّة والالتزام الأخلاقي العالي؛ فقد جاء في التلمود أنّها قد سُئلت عن السبب الذي وفّقها ليكون لها سبعة أبناء يتولون منصب رئاسة الكهنة, فأجابت بقولها: ((لم تر قائمة باب بيتي ضفائر شعري طوال أيام حياتي)) ((מימי לא ראו קורות ביתי קלעי שערי)) (Yoma 47a)..
لقد كان أمر ستر اليهوديّة شعرها, بل وكامل بدنها, محلّ عناية من كثير من فقهاء اليهود لاتصاله الوثيق بخصلة العفّة التي لا بدّ أن تتحلّى بها المرأة اليهوديّة؛ حتّى إنّ ((دانيال القوميصي))[24] قد شنّ هجومًا لاذعًا على اليهود الحاخميين[25] لأنّهم أجازوا للمرأة اليهوديّة أن تكشف وجهها للأمميين (غير اليهود).[26]

الحجاب للمرأة المتزوّجة:
جاء في كتاب ((المائدة المنضودة)) ((שולחן ערוך))[27] للفقيه اليهودي البارز ((يوسف قارو))[28]: ((يجب على النساء المتزوّجات أن يغطين رؤوسهن على الدوام, أمّا غير المتزوّجات فلا ينطبق عليهن هذا القانون.))[29]
وجاءت قواعد ستر الرأس في التلمود على هذه الصورة: ((يغطّي الرجال رؤوسهم أحيانًا, ويكشفونها أحيانًا أخرى, لكنّ النساء يغطّين رؤوسهن دائمًا, ولا يغطّي البناتُ الصغار رؤوسهن البتّة.)) (Nedarim 30 b)[30] .. ولذلك ذهب جمهور فقهاء اليهود إلى إلزام المتزوّجات دون العذارى بالحجاب, وربّما يعود ذلك إلى ظاهرة الزواج المبكّر عند اليهود, إذ إنّ عامة العذارى هن من صغيرات السنّ اللائي لم يبلغن الحلم أو لم يتجاوزنه بسنوات كثيرة.
وذهب بعض أعلام الفقه اليهودي في المقابل إلى إلزام غير المتزوّجة أيضًا بتغطية رأسها؛ فقد كتب ((باخ)) قائلاّ بما أنّ ((مصدر التحريم هو فقرة ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن بشعر مكشوف)), ولم تقل هذه الفقرة بقصر الكلام على النساء المتزوّجات؛ فإنّ المتزوّجات وغير المتزوّجات داخلات في الحكم.))[31]
وكان الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) موافقًا ((لباخ)) في صرامته؛ إذ قد قال في كتابه في الشرع التوراتي: ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن إلى السوق برأس مكشوف؛ سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات.)) [32]
الباروكة كحجاب:
اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها.
وقد جاء في التلمود أنّ ((رب)) ((רב))[33] قد قال: ((كلُّ ما منع الحكماء الخروج به إلى الشارع؛ فهو ممنوع في فناء البيت باستثناء شبكة الشعر (hair-net) والباروكة)) ((כל שאסרו חכמים לצאת בו לרה”ר אסור לצאת בו לחצר חוץ מכבול ופאה נכרית)) (Shabbath 64b) وأضاف التلمود أنّ الحبر ((عناني بار شاشون)) ((ענני בר ששון))[34] قد خالفه في جواز ذلك .. وهو ما يظهر الجدل المبكّر حول شرعية الباروكة لتغطية الشعر, وقبل ذلك, هو يثبت أهميّة وجوب تغطية الشعر ابتداءً.
ذهب بعض الفقهاء اليهود إلى القول بجواز أن تلبس المرأة باروكة تغطي بها شعرها, بإطلاق .. وذهب آخرون إلى أنّ لبس الباروكة لا يجوز إلاّ في البلاد التي من أعرافها أن تلبس المرأة باروكة, فإن لم تكن هذه العادة موجودة؛ فإنّ على المرأة أن تغطي رأسها بخمار .. وذهب في المقابل جمهور فقهاء اليهود, إلى عدم شرعيّة لبس الباروكة كوسيلة لتغطية الشعر, ومن أعلام من ذهب هذا المذهب الحبر ((Ya’akov Emden)) والحبر ((Vilna Gaon)) والحبر ((Shlomo Kluger)) و((Maharaz Hayot)) و((Chatam Sofer)), و((Zanzar Rav)), و((Maharsham)), حتّى قال الحبر ((عوبيديا يوسف)) ((Ovadiah Yosef)): ((يبدو أنّ غالبية الأحرونيم[35] يحرّمون (الباروكة)))[36]
حلق العروس شعرها:
انتشرت عادة حلق النساء اليهوديات شعورهن بالكامل عند إقامة العرس في هنغاريا وفي جليقيا بإسبانيا وفي أوكرانيا, وهن يقمن بتغْطية رؤوسهن بمنديل بعد حلق الشعر. وكان النساء في بعض الأزمان يستعملن الباروكة بصورة كليّة أو جزئيّة بعد ذلك. ولازالت هذه العادة موجودة إلى اليوم في الأوساط اليهوديّة المتديّنة في فلسطين المحتلّة.
كان هناك عدد من الفقهاء (البوسقيم) ممن أيّدوا بشدّة حلق العروس شعرها, وحجّتهم في ذلك أساسًا أنّ العروس بفعلها ذاك تضمن ألاّ يظهر من شعرها شيء, فيما عارض آخرون هذا العرف لأنّه يجعل المرأة تبدو قبيحة يوم عرسها![37]
والثابت من هذا العرف (الغريب!), هو أنّ اليهود في فقههم, يتعاملون بحرج شديد مع شعر المرأة وأمر ستره وكشفه؛ ممّا أداهم إلى مثل هذا المذهب المنكر!
الرجل الذي يرضى بكشف شعر زوجته, ديوّث:
لمّا كان حكم تغطية المرأة المتزوّجة رأسها موصولاً بالتوراة, والعرف اليهودي السويّ, ومراعاة العفّة التي أريد للمرأة اليهوديّة أن تتميّز بها عن غيرها؛ فقد كان سماح الرجل لزوجته أن تسير في الشارع مكشوفة الشعر, من القبائح والرذائل الشنيعة التي تظهر وهاء إيمان هذا اليهودي وعدم التزامه بما تدعو إليه الأسفار المقدّسة وأقوال الأحبار المرجّحة؛ ولذلك قرّر الأحبار أنّ من يرى زوجته تخرج ورأسها غير مغطى؛ هو رجل كافر (godless). وعليه إلزامًا أن يطلّقها[38] ..
وجاء في ((الزوهار)) في نفس الشأن: ((قال الحبر ((حزقياهو)): ((لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة.)) (Zohar III, 125b)[39]؛ وهو ما يعدّ منتهى الرفض واللفظ لمن يرضى أن تحسر المرأة عن شعرها في غير بيتها. وقد علّق الحبر ((أبراهام جومبينر)) ((אברהם גומבינר))[40] على هذا الحكم بقوله: ((أكّد الزوهار بشدّة على ألاّ يظهر أيّ من شعر المرأة, وهذا هو العرف المقبول.))[41]
الجزاء الأخروي الوبيل للتبرّج:
ثبت بما سبق أنّ المرأة التي ترضى أن تكشف شعرها في الشارع, مذنبة في الدنيا, وعليها وزر عظيم بسبب ما فعلت .. ولاشكّ أنّ عقابها الدنيوي له ما بعده من عقاب أُخروي[42], وقد جاء في أحد ((المدراشات)) في الحديث عن المرتبة الرابعة في النار: ((دخل البيت الرابع, ووجد نساءً معلّقات من أثدائهن. قال أمامه: ((اكشف السرّ, وفسّر هذه المأساة العظيمة.)) قال له … ((هؤلاء هنّ النسوة اللائي كشفن رؤوسهن في الأسواق …))[43] .. ولا شكّ أنّ هذا العقاب كفيل بإثارة الهلع في صدر من تؤمن بربّانية مصدره, كما أنه قبل ذلك دليل صريح على شناعة كشف المرأة شعرها في غير بيتها!

****

[1] M. Schiller, op. cit.,104-105
[2] المصدر السابق, ص 108
[3] G. Ellinson, Women and Mitzvot: The Modest Way, A Guide to the Rabbinic Sources, Jerusalem: Feldheim Publishers, 1992, p.121
[4] القول بجواز كشف جزء بسيط من الشعر, شائع بين اليهود السفارديم, وقد ذهب الحبر (موشي فينشتاين) (Moshe Feinstein) وهو من أعلام السلطات الفقهيّة عند يهود أمريكا, إلى جواز كشف جزء من مقدمة شعر الرأس في حدود إصبعين. (انظر المصدر السابق, ص 122-123)
[5] انظر؛ Saul J. Berman, Kol Isha, New York: Ktav Publishing House, 1980, p.56
[6] يعقوب ب. ميير Jacob b. Meir 1100م-1171م
[7] R. Menahem b. Benjamin Recanati, Sefer Recanati (Pietrokov, 1894), sec.26 (Quoted by, Shmuel Herzfeld, Searching for Sources of the Zohar: A Woman’s Headcovering)
Online article: http://www.rabbishmuel.com/files/jewish_customs20.haircovering.doc (11/27/2009)
[8] Ravad of Posquires 1120م-1197م: فقيه وفيلسوف يهودي من أعلام زمانه. اشتهر بأبحاثه في المشنا والتلمود.
[9] Cited in Hiddushei ha-Rashba, Berakhot, ed. N. M. Karbits, Jerusalem, 1979 (Quoted by, Shmuel Herzfeld, op. cit.)
[10] تعني لغة (وراء الأعمى), وهي واحدة من 613 حكم في التشريع اليهودي. وأصلها ما جاء في لاويين 19/14: ((لاَ تَضَعْ عَثْرَةً فِي طَرِيقِ الأَعْمَى))
[11] للاطلاع على الكثير من الأسماء التي اختارت هذا المذهب؛ انظرWeiner, Glory (Hebrew Section) p.14 (نقله, M. Schiller, op. cit., 93)
[12] כתובה : عند عقد الزواج, يلتزم الزوج في هذا العقد بعدد من الواجبات لصالح الزوجة.
[13] G. Ellinson, op. cit., p.121
[14] الحبر إسرائيل ميير بوبكو 1838م-1933م: حبر يهودي من أوروبا الشرقيّة. لازالت كتاباته ذات تأثير كبير في الحياة اليهوديّة.
[15] مشناه بروراه משנה ברורה (التعليم الواضح) : كتاب فقهي في التعليق على ما جمعه ((يعقوب بن أشر)) ((יעקב בן אשר)) من أحكام, ملخّصًا أقوال الفقهاء اليهود المتأخّرين (أحرونيم). وقد طبع في ستة مجلّدات.
[16] انظر؛ Mishnah Berurah 75/10-14 (Quoted by, M. Schiller, op. cit., p. 101)
[17] بوسقيم פוסקים جمع بوسق פוסק: المفكّرون اليهود الذي يعتنون بدراسة الفقه اليهودي, وقد تخصصوا في القضايا التي لم يحسمها الفقهاء المتقدمون.
[18] انظر؛ M. Schiller, op. cit., p.97
[19] Mishneh Torah, Ishut 24/11,12 (Quoted by, M. Schiller, op. cit., p. 91 )
[20]M. Schiller, op. cit., pp. 85-86
[21] Menchem M. Brayer : أستاذ الأدب التوراتي في جامعة يشيفاو
[22] Menachem M. Brayer, op. cit., p.239
[23] انظر مثلاً, Fred Rosner, Encyclopedia of Medicine in the Bible and the Talmud, N.J.: Rowman & Littlefield, 2000, p123
[24] دانيال القوميصي דניאל אלקומיסי: من أوائل كبار علماء فرقة ((القرّائين اليهوديّة)). ذاع صيته في بداية القرن العاشر ميلاديًا حيث ألّف عددًا من الكتب باللغة العبريّة. عرف بتشدده في التفسير الحرفي للتوراة.
[25] Rabbinic Judaism: فرع أساسي في اليهوديّة, تطوّر بعد سنة 70م, يتمحْور عمله حول دراسة التلمود ومناقشة القضايا التشريعيّة والقانونية التي يطرحها.
[26] انظر؛ Salo Wittmayer Baron, A Social and Religious History of the Jews, New York: Columbia University Press, 1967, 4th printing, 3/299
[27] شولخان عروخ שולחן ערוך: جمع لقوانين التلمود, وآراء واجتهادات فقهاء اليهود الذين اطّلعوا عليها. يعدّ المرجع الفقهي والشرعي الأساسي لليهود منذ تاريخ ظهوره عام 1564م.
[28] يوسف قارو יוסף קארו (1488م-1575م): أحد أهم الفقهاء اليهود التلموديين, ويعتبر أهم فقيه يهودي بعد ((موسى بن ميمون)).
[29] Shulchan Aruch, Orach Chayim 75/2 (نقله؛ القمص روفائيل البرموسي, الحياة اليهوديّة بحسب التلمود, دار نوبار للطباعة,2003م, ص61)
[30] Gillian Beattie, Women and Marriage in Paul and his Early Interpreters, New York: Continuum International Publishing Group, 2005, p.44
[31] Bach (Even Haezer 21) (Quoted by, M. Schiller, op. cit., p.100)
[32] Maimonides, 21/17
[33] الحبر (أبا بار أيبو) (אבא בר איבו) ويعرف أيضًا باسم (أبا أريكا) (אבא אריכא) , كما اشتهر بلقب ((رب)) أي ((معلم)) (175م-247م): أشهر فقهاء التلمود. تعتبر نقاشاته مع صاحبه ((שמואל)) الأساس الذي بُني عليه التلمود البابلي.
[34] يعرف أيضا باسم ((عنانيل)), عالم تلمودي عاش في القرن الثالث ميلاديًا.
[35] أحرونيم אחרונים: لغة: (الآخرون), واصطلاحا: كبار الأحبار والفقهاء الذين عاشوا منذ القرن السادس عشر وإلى اليوم.
[36] M. Schiller, op. cit., pp. 98-99
[37] انظر المصدر السابق, ص 101-102
[38] Alvin Shmidt, op. cit, p.133
[39] Shmuel Herzfeld, op. cit.
[40] أبراهام جومبينر 1633م-1683م: حبر تلمودي ولد في بولندا. اشتهر بكتابه الفقهي: ((Magen Avraham))
[41] Magen Avraham, Orah Hayyim 75/2 (Quoted by, G. Ellinson, op. cit., p.158
[42] حديث اليهوديّة في الأسفار المقدّسة وكتابات الأحبار حول الآخرة والثواب والعقاب, مشوّش ومتناقض. ولا يعنينا هنا التوفيق بين نصوصه أو ترجيح معنى على آخر؛ وإنّما يكفينا أن نستدلّ بنصوص لليهود, وأن نفسّرها على ما تدلّ عليه ألفاظها ضمن سياقاتها.
[43] Shmuel Herzfeld, op. cit.

http://www.rabbishmuel.com/files/jewish_customs20.haircovering.doc

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s