الحجاب في التاريخ النصراني المسيحية


الحجاب في التاريخ النصراني
شهد معجم ((Dictionnaire des antiquités chrétiennes)) عند حديثه عن لباس النصارى الأوائل أنّه: ((عامة, كان الرجال يظهرون في الأماكن العامة برأس مكشوف, وكان النساء يرتدين الحجاب.)) ((En général, les hommes se montraient en public tête nue, et les femmes voilées))[1], وفصّل معجم ((A Dictionary of Christian Antiquities)) الأمر بقوله إنّ النساء النصرانيات كنّ يلبسن غطاءً للرأس يوافق أعراف بلادهن ومقامهن.[2]
وتذكر الموسوعة البريطانيّة –الإلكترونيّة-لسنة 2008م في مقال: ((خمار)) ((wimple)) أنّ النساء في أوروبا منذ آخر القرن الثاني عشر إلى بداية القرن الرابع عشر, قد ارتدين-بصور واسعة- خمارًا يغطّي الرأس ويلتفّ حول الرقبة والخدين والذقن؛ متأثّرات في ذلك –كما تقول هذه الموسوعة- بالمسلمات, بعد عودة الجنود الصليبيين من بلاد المسلمين.[3] ولم يكن هذا الشكل في اللباس بذلك مخالفًا لأحكام الكنيسة, بل هو موافق لأوامر الحجاب فيها من قبل, وقد استُجلِب من ناحية الشكل (كموضة) جديدة واردة من العالم الإسلامي.
وكانت المرأة المصرية الأرثودكسية طوال تاريخها حتى بداية القرن العشرين, ترتدي الحجاب, كما نقلته ((فيبي أرمانيوس))-التي يظهر من اسمها أنّها نصرانية- في مقالها عن المرأة في مصر ضمن كتاب: ((موسوعة النساء والثقافات الإسلامية)) ((Encyclopedia of Women and Islamic Cultures)) ((تاريخيًا, كان كل من النساء القبطيات والمسلمات يرتدين النقاب حتى بداية القرن العشرين.)) ((Historically, both Coptic and Muslim women wore the veil until the turn of the twentieth century)).[4] ونقلت لنا الموسوعة الإنجليزية ((The English Cyclopaedia)) الصادرة سنة 1867م أنّ عامة النساء النصرانيات في مصر (القبطيات كما تسميهن) يرتدين النقاب في ذاك الزمان.[5]
بعض الفرق النصرانية اليوم – (المينوتيين)[6] و(الآمش)[7] على سبيل المثال -لازالت تحافظ على أمر ارتداء غطاء الرأس بأمر من رؤساء الكنيسة؛ بدعوى أنّ غطاء الرأس ما هو إلا رمز لخضوع المرأة للرجل وللربّ[8], وهو نفس التفسير الذي قدمه ((بولس)) في العهد الجديد.

امرأتان من (الآمش) في اجتماع صيفي[9]
ولنا أخيرًا أن نطرح سؤالاً منطقيًا لعامة النصارى: ((أيهما يوافق العقل والمنطق: قول الكاثوليك والأرثودكس إنّ الراهبة تغطي رأسها وتلبس الجلباب الواسع غير الملوّن؛ لأنّها تعتقد أنها ستكون عروس إلهها يسوع المسيح (!!!؟) يوم القيامة!!؟ أم قول المسلمين إنّ تغطية المرأة نفسها هو أمر بالعفّة لكلّ امرأة صالحة, وغايته منع افتتان الرجال بالنساء, وحراسة الفضيلة بين الناس في الدنيا؟!!))
سؤال يحتاج إلى إجابة عاقلة.. من فتاة أو امرأة واعية!!
إذن؛ إذا كان النصارى يزعمون الإخلاص إلى دينهم واليقين في صلاح أحكامه, فعليهم أن يعملوا بأوامر الحجاب الواردة فيه, بدل الالتفاف حوله, والتشهير بالحقّ الوارد في القرآن المجيد!!!
وأخيراً .. أقول لكِ أيّتها المحجّبة :
سيري لمجدكِ تحت ظل عفافِ *** وتجملي بمطارف الألطافِ
ما الدرّ وهو مجرد عن حرزه *** بمقدر كالدّر في الأصداف

اللهم هل بلّغت ..؟ اللهم فاشهد!
اللهم هل بلّغت ..؟ اللهم فاشهد!
اللهم هل بلّغت ..؟ اللهم فاشهد!
أيقونات نصرانيّة ((لمريم)) عليها السلام
-رمز العفّة عند الكنيسة-
وهي ترتدي الحجاب في جميعها!

[1] Joseph Alexander Martigny, Dictionnaire des antiquités chrétiennes, Paris: Librairie de L. Hachette et Cie, 1865, p.653
قال المطران ((ايزيدور بطيخة)) – مطران كنائس حمص وحماة ويبرود للروم الكاثوليك- في حوار مع صحيفة (القدس العربي) بتاريخ (16/11/2009) تحت عنوان: ((المطران ايزيدور بطيخة: إذا كان الحجاب أداة للمساعدة نحو التقاء أعمق مع الله ونحو إنسانية أحسن فلتتحجب كل نساء الأرض)) :
((الحجاب في تاريخ المسيحية كان فريضة وهذه الفريضة جاءت بتأثير من التمازج بين المسيحية واليهودية، فكلنا يعرف المسيحية قد انطلقت من الكنيس اليهودي، المجتمع اليهودي والعلاقة وطيدة بين اليهودية والمسيحية بسبب النبوءات القديمة التي كانت قد تنبأت عن السيد المسيح بمجيئه.))
((لهذا الكنيسة اليوم لا تتمسك بالحجاب رغم انها تمسكت برمزيته والبرهان على ذلك أن راهباتنا يتحجبن إلى اليوم))
((الحجاب في المسيحية اليوم هو رمز رغم أنه كان فريضة في تاريخ المسيحية وأنه كان في بعض الحقبات التاريخية في المسيحية عار على المرأة أن تظهر شعر رأسها إلا لزوجها أو للمقربين, كما هو في الإسلام حاليًا.))
رابط إلكتروني للحوار من صحيفة (القدس العربي):
www.alquds.co.uk/archives/2009/11/11-16/qma.pdf
[2] انظر؛ William Smith and Samuel Cheetham, eds. A Dictionary of Christian Antiquities, 1/761
[3] انظر الموسوعة البريطانيّة الالكترونية لسنة 2008:
Wimple. Encyclopædia Britannica. 2008. Encyclopædia
Britannica Online Library Edition. 11 July 2008
<http://www.library.eb.com/eb/article-9077146>.
[4] Afsaneh Najmabadi and Suad Joseph, Encyclopedia of Women and Islamic Cultures, Leiden : Brill, 2003, 2/721
[5] انظر؛ Charles Knight, The English Cyclopaedia, London: Bradbury, Evans, 1867, 3/198
[6] المينونيت Mennonite: نسبة إلى Menno Simons الكاتب والعالم الأناببتستي. وتعني عبارة (منّونيت), مجموعة من الجماعات حول العالم ترى أن أصولها تعود إلى حركة ((الأناببتيست)) في القرن السادس عشر ميلادياً. أصول المينونتيين أربعة: (1) التأكيد على أهمية التعميد للكبار المؤمنين (2) معارضة الحرب (3) سيادة المسيح (4) أهمية الالتزام الكنسي. ويبلغ عدد أفراد المينونتيين اليوم 900 ألف بالغ, ثلثهم تقريبًا يعيشون في أمريكا الشماليّة.(انظر؛ William H. Swatos, ed. Encyclopedia of Religion and Society, CA: Rowman Altamira, 1998, p. 294
[7] الآمش: فرقة انفصلت عن المينونت على يد قس اسمه ((جاكون أمّانّ)) ((Jacob Ammann)) سنة 1693م.
[8] انظر في لباس نساء الآمش:Donald B. Kraybill, The riddle of the Amish Culture, Maryland: JHU Press, 2001 , revised edition, pp.60-63
[9] Donald B. Kraybill, The riddle of the Amish Culture, Maryland: JHU Press, 2001 , revised edition, p.62

http://www.alquds.co.uk/archives/2009/11/11-16/qma.pdf

http://www.alquds.co.uk

أهميّة اللباس في النصرانيّة

رغم أنّ البلاد التي عامة أهلها من النصارى, تعرف اليوم حالة من (الانفجار) الجنسي, وسيادة للتفلّت الأخلاقي, وانهيارًا للضوابط الأخلاقيّة, إلاّ انّ ذلك في الحقيقة لا يعود بصورة مباشرة إلى الأحكام التي نشرتها النصرانيّة في كتبها المقدّسة ..
لقد جاءت النصرانيّة في القرن الأوّل ميلادي لترث من اليهوديّة أسفارها القديمة, ورغم أنّ مؤسسها الحقيقي ((بولس)) قد أعلن القطيعة مع الشريعة اليهوديّة, معلنًا انتهاء العمل بالشريعة القديمة, وبداية عهد الخلاص المبذول بدم المسيح على الصليب[1], إلاّ إنّ ((بولس)) نفسه, ومعه الكنيسة, لم يستطيعا أن يتجاوزا مسألة اللباس (الشرعي) وأهميّته في حياة الفرد النصراني ..
كان كتّاب أسفار العهد الجديد, على قناعة تامة بأهميّة اللباس في ضبط السلوك الفردي وتوجيه العلاقات العامة, خاصة بين الرجال والنساء .. كما كان اهتمام رجال الكنيسة الأوائل بجانب العفّة, والانضباط الجنسيّ, من أهمّ الدوافع التي حفّزت المجموعات النصرانيّة المبكّرة على أن تعتني بأمر اللباس الشرعي الخاص بالمرأة …
لقد كانت الكنيسة الأولى مشغولة بأمر الطاقة الجنسيّة في الرجل والمرأة ومآلات أثرها في الإنسان إن لم تضبط وتحكم وتحجز عن موارد الحرام .. وبلغت في هذا الشأن مبلغًا شديدًا يظهر في قول مؤلّف إنجيل متّى 5/27-29 – نقلاً عن المسيح –بزعمه-: ((وَسَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ! أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ بِقَصْدِ أَنْ يَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ! فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى فَخًّا لَكَ، فَاقْلَعْهَا وَارْمِهَا عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَفْقِدَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُطْرَحَ جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!))!!!
لقد كان وعي الكنيسة الأولى بأمر (العورات) وما يباح رؤيته من المرأة, على درجة عالية من الحساسيّة .. وكان الربط بين العفّة واللباس بارزًا, وكان اليقين ثابتًا أنّ العفّة ليست معنى مجرّدًا مستكنًا في القلب, وإنّما لها تجليّات في الأعمال والسلوك واللباس..
كان لباس المرأة في حسّ هذه الكنيسة في بداية تكوّنها مرتبطًا بمجمل سلوك المرأة في حياتها, ولم يكن رمزًا لمعنى باهت, أو علامة على فكرة مجرّدة, بل كان وثيق الصلّة بالتكوين النفسي والفكري والسلوكي للمرأة ككائن اجتماعي ..
ومن أشهر النصوص التي تجلّي النموذج (الشكلي) لهيئة المرأة النصرانيّة (التقيّة) في الأسفار المقدّسة:
~ 1بطرس 3/3-6: ((وعلى المرأة ألا تعتمد الزينة الخارجية لإظهار جمالها، بضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب الفاخرة. وإنما لتعتمد الزينة الداخلية، ليكون قلبها متزينا بروح الوداعة والهدوء. هذه هي الزينة التي لا تفنى، وهي غالية الثمن في نظر الله! وبها كانت تتزين النساء التقيات قديما، فكانت الواحدة منهن تتكل على الله وتخضع لزوجها. فسارة، مثلا، كانت تطيع زوجها إبراهيم وتدعوه: ((سيدي)). والمؤمنات اللواتي يقتدين بها، يثبتن أنهن بنات لها، إذ يتصرفن تصرفا صالحا، فلا يخفن أي تهديد.))
~ 1تيموثاوس 2/9-10: ((كما أريد أيضا، أن تظهر النساء بمظهر لائق محشوم اللباس، متزينات بالحياء والرزانة، غير متحليات بالجدائل والذهب واللآلئ والحلل الغالية الثمن، بل بما يليق بنساء يعترفن علنا بأنهن يعشن في تقوى الله، بالأعمال الصالحة!))
لقد منعت هذه الأحكام المرأة من:
v كلّ زينة خارجيّة لإظهار الجمال.
v ضفر الشعر.
v الحليّ الذهبيّ.
v الثياب الفاخرة.
v الحلل غالية الثمن.
وهي محرّمات قد وردت على سبيل المثال لا الحصر, كما أنّها عناوين لأصناف كثيرة من اللباس؛ مما يعني أنّ النصرانيّة تمنع المرأة صراحة من (التعبير) عن جمالها أمام الرجال ..
كما ظهر هذا الضبط السلوكي في الملبس, في التشريع الكنسي المبكّر؛ فقد جاء في ((الدسقوليّة))[2]:
1. 1. ((إن أردتِ ان تكوني مؤمنة ومرضية لله فلا تتزيني لكي تُرضي رجالاً غرباء.))[3]
2. 2. ((لا تشتهي لبس المقانع والثياب الخفيفة التي لا تليق إلاّ بالزانيات.))[4]
3. 3. ((لا تزوقي وجهك الذي خلقه الله. فليس فيه شيء ينقص زينة, لأن كل ما خلقه الله فهو حسن جدًا, ولا يحتاج إلى زينة. وما زيد على الحسن فإنّه يُغير نعمة الخالق.))[5]
لقد رفضت الكنيسة الأولى أن تتحوّل المرأة إلى دمية ملوّنة لاجتذاب الأعين النهمة, أو كيان (متوحّد) في ذاته لا يرى من نفسه إلا الأصباغ والجدائل؛ فكانت شديدة الحزم في رسم حدود لباس المرأة وزينتها إذا خرجت من البيت. وقد أحكمت الجزم بالالتزام برسم دائرة مغلقة من الأحكام التي تمنع ظهور التسيّب الأخلاقي بين الجنسين, وإن لم يبلغ ذلك درجة الاستواء التشريعي؛ فقد كان همّ مقاومة نزوع المرأة إلى أن تتبذّل في اللباس وتفارق سبيل الحشمة, هاجسًا قويًا لدى أئمة الكنيسة, جعلهم يتحسسون من كلّ فعل أو خاطرة عابرة من النساء ..
استمرّ أمر الدعوة إلى العفّة في اللباس في شغل حيّز كبير من اهتمامات آباء الكنيسة وتشريعاتها.. غير أنّه مع تململ الغربيين من سلطان الكنيسة المتجبّرة, وفساد رجال الدين؛ فارقت النصرانيّة الحاليّة التراث الآبائي القديم, وانخرطت على مراحل في معايشة أعراف حديثة لا تستند إلى أصول عريقة في تكوينها الجنيني المبكّر والجيني الأصيل.
ولأنّ النصرانيّة هي :
(1) نصوص مقدّسة.
(2) تفاسير مقدّسة لهذه النصوص ممن تعتقد الكنيسة أنّ روح القدس كان يسدّد أفهامهم.
فسننظر في هذه النصوص المعتقد لها القداسة, والتفاسير المعتقد لها العصمة؛ لنستبين من خلال ذلك الموقف الأصيل للنصرانيّة الأولى من الحجاب ..
[1] انظر؛ عبرانيين 7/18-19 …
[2] يأتي تعريفه لاحقًا.
[3] الدسقولية, تعريب مرقس داود, القاهرة, مكتبة المحبّة, 1979م, ص 26
[4] المصدر السابق
[5] الدسقولية, ص 27

الحجاب في التقليد الكنسي

مما يعجب له العاقل أنّ المنصّرين لا يستنكفون من التشهير بالمسلمات لتغطيتهن شعورهنّ؛ رغم أنّ هؤلاء المنصّرين أنفسهم يملؤون بيوتهم ودور العبادة التي يقومون عليها بصور ((مريم)) أمّ المسيح وهي ترتدي الزيّ الإسلامي .. مسبلة لباسها على عورتها .. فهلاّ سخر القوم, إن كانوا من أهل (العدل) و(الإنصاف), من (أمّ إلههم) التي ترتدي نفس زيّ المسلِمات؟!![1]
وبالنظر في أهم الكتب القديمة التي تمثّل الأحكام التي فرضتها الكنيسة على النصارى في القرون الأولى؛ سنلاحظ بجلاء حضور (الحجاب) كفريضة ربّانية لا تعفى منها المرأة إذا تجاوزت عتبة بابها وكانت في محضر الرجال.
الدسقولية:
يعتبر كتاب ((الدسقولية)) أحد أهم المراجع التعبّدية والتشريعية والسلوكية للكنائس الأولى وللكنيستين الأرثودكسية المصرية[2] والحبشيّة اليوم؛ وهو يضم –كما يزعم القوم-تعاليم عباديّة وسلوكيّة كثيرة لرسل المسيح الاثنى عشر [3], وقد جاء فيه إلزام المرأة بالحجاب:
((لا تتشبهن بهؤلاء النساء أيتها المسيحيات إذا أردتن أن تكن مؤمنات. اهتمي بزوجك لترضيه وحده. وإذا مشيت في الطريق فغطي رأسك بردائك فإنك إذا تغطيت بعفة تُصانين عن نظر الأشرار.))[4]
بل جاء التصريح بأمر النقاب: (( لا تستحم امرأة مؤمنة مع ذكور. واذا غطت وجهها فتغطيه بفزع من نظر رجال غرباء. )) !! [5] وتبدو الترجمة السريانيّة أكثر وضوحًا في قولها: ((إذا كانت هناك حمّامات للنساء في المدينة أو الحي؛ فلا تذهب المرأة المؤمنة لتغتسل في الحمّامات مع الرجال؛ إذا كنتِ تغطين وجهك أمام الرجال الأجانب بغطاء العفّة, فكيف تذهبين مع الرجال الأجانب إلى الحمّامات؟))[6]
وجاء أيضًا في ((الدسقوليّة)): ((يكون مشيكِ ووجهك ينظر إلى أسفل, وأنت مطرقة مغطاة من كلّ ناحية.))![7]
التراث الرسولي:
كتاب ((التراث الرسولي)) ((Apostolic Tradition)) هو كتاب ينسبه التقليد الكنسي إلى قديس الكنيسة اللاهوتي الروماني ((هيبوليتوس))[8], وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصرية أحد أهم مراجعها في العبادات الطقوسية, وهو ((يتحدث عن الأحكام الكنسية, وطقوس الرسامات, والرتب الكنسية, وخدمة الافخارستيا, والعماد))[9] ويعكس حالها في القرن الثاني وبداية القرن الثالث.
جاء في كتاب ((التراث الرسولي)) أنّ الحجاب الذي على المرأة أن ترتديه أثناء العبادة, لا بد أن يكون ثخينًا: ((وليس مجرد قطعة من الكتان؛ لأنّ ذلك ليس تغطية)).[10] ويقول صاحبا كتاب ((أصول المسيحيّة)) ((The Origins of Christianity)) إن الإلزام بارتداء الحجاب هنا, هو ((في كلّ وقت على الظاهر))[11]؛ أي أنّه غير مخصوص بحضور القداس.[12]
المراسيم الرسولية:
جاء في كتاب: ((المراسيم الرسولية)) ((The Apostolic Constitutions))[13] –وهو يعرف أيضًا في بعض المراجع العربيـة باسم ((الفرائض الرسولية))- ويعود إلى القرن الرابع[14], وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصريّة أحد مراجعها التشريعية الأولى :
((ولمّا تكونين في الشارع, غطِّي رأسكِ؛ لأنّك بهذه التغطية ستتحاشين أن يراك المتسكّعون.))[15]
((إذا أردتِ أن ترضيه (عريسك السماوي)؛ غطِّي رأسك لمّا تكونين في الشارع, غطّي وجهك لتمنعي النظرات الطائشة.))[16]
وجاء في هذه الوثيقة في سياق آخر في عدم السماح للمرأة أن تستحم في أماكن يوجد فيها رجال: ((فإذا كان على المرأة أن تغطّي وجهها وأن تخفيه بحشمة عن الرجال الأجانب؛ فكيف تتعرّين في الحمام أمام رجال.))[17]
المجموع الصفوي:
جاء في كتاب ((المجموع الصفوي)) الذي يعدّ أحد أهم المراجع التشريعيّة للكنيسة الأرثودكسيّة المصريّة: ((إذا مشيت في الطريق فغطّي رأسك بردائك وتغطي بعفة؛ فإنك تصونين نفسك من الناس الأشرار, ولا تزوّقي وجهك فليس فيك شيء ينقص زينة. وليكن وجهك ينظر إلى أسفل مطرقة وأنت مغطاة من كلّ ناحية.))[18] .. وعلّل ذلك بقوله: ((لئلاّ تكون سببًا في إثارة الشهوة الرديئة في من ينظر إليها؛ فتجلب عليه الخطية؛ لأنه يكون مخالفاً للوصيّة: ((من نظر إلى امرأة ليشتهيها؛ فقد زنى بها في قلبه)) (متّى 5/27) ))[19]

شبهة:
قد يقول قائل من النصارى إنّ ما قرّره آباء الكنيسة وما أثبته التقليد الكنسي, هو (1) مجرّد اجتهاد ظرفي, وهو (2) خاص بالبيئة التي عاش فيها السابقون!
الجواب:
هذا الاعتراض هو في حقيقته هروب من مواجهة الحقيقة؛ لأنّ:
1. 1. أقوال آباء الكنيسة, خاصة إذا كانت مما هو مجمع عليه بينهم, تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع المعصوم في الكنيسة الكاثوليكيّة والكنائس الأرثودكسيّة .. ولم نر من الآباء من نصّ صراحة على إباحة كشف الرأس, وقد نقل النقّاد الغربيون-ممن لا صلة لهم بالإسلام- إجماع الآباء على هذه الفريضة.
2. 2. لو فرضنا-جدلاً- وجود أقوال لآباء آخرين يرون وجوب السفور أو استحبابه أو جوازه, فإنّ ذلك لا ينفي أنّ أعظم الآباء كانوا يرون وجوبه. والأصل أن يؤخذ قول أئمة آباء الكنيسة, ولا تتبّع الاجتهادات التي يقول بها قلّة –إن وجدت أصلاً-!
3. 3. تؤمن طائفة البروتستانت -الرافضة لقداسة أقوال آباء الكنيسة- بحتميّة تسديد الروح القدس لكلّ اجتهاد حتّى يوافق الصواب .. وهاقد علمنا أنّ الآباء الذين هم أئمة الكنيسة وعظماؤها وأطهر من فيها (كما هو مُعتقد أئمة البروتستانت أنفسهم), قد أجمعوا على أمر الحجاب, فهل كان روح القدس غائبًا عنهم لمّا قالوا ما قالوا؟!!
4. 4. لا توجد أيّة حجّة من كلام آباء الكنيسة أنهم كانوا يفتون لواقعهم فقط؛ بل كانت أقوالهم صريحة في أنّ اللباس الذي يتحدثون في شأنه, هو لباس المرأة في كلّ زمان ومكان .. وهو أيضًا نفس الأمر فيما يتعلّق بالتشريع الكنسي المبكّر ..
5. 5. العلّة الكبرى لضبط الآباء لحدود اللباس الشرعي للمرأة في النصرانيّة, هي منع الفتنة وردع التسيّب الجنسي, وهي علّة لا ينسخها تغيّر الزمان ولا تبدلّ المكان؛ لأنّ الفتنة بين الرجال والنساء, هي نفس الفتنة في كلّ زمان ومكان, ولأنّ الانحلال الجنسي مرذول في كل وقت وبيئة ..
السؤال الذي يلحّ في فرض نفسه الآن هو: لماذا لا ترتدي المرأة النصرانية الأرثودكسية في مصر النقاب -أو تغطي جسدها كلّه عدا الوجه-؛ مادام الحكم بوجوب التقيّد بالحجاب قد ورد بصيغة الإلزام والجزم في التقليد المتلقى من الرسل, هذا التقليد الذي قال في تعريفه بابا الكنيسة المصرية الأرثودكسيّة ((شنودة الثالث)): ((هو كلّ تعليم وصل إلينا عن طريق التسليم الرسولي والآبائي, غير الكلام الذي ترك لنا كتابة في الكتاب المقدس, في موضوعات ربما لم تذكر في الكتاب, ولكنها لا تتعارض معه في شيء ما.))[20] ووصفه بأنّه: ((حياة الكنيسة, أو هو الكنيسة الحيّة))؟!![21] ألا يعتبر –إذن- ترك الحجاب أو النقاب من طرف النساء النصرانيات في مصر؛ هدمًا للدين, وقتلاً ((للكنيسة الحيّة))؟!!!
****

[1] جاء في مقال للأستاذ (جمال سلطان) : ((الوزير ((جوليانو أماتو)) أعلن أنه لا يمكنه معارضة ارتداء المرأة المسلمة في بلاده للحجاب، وذلك لسبب واضح وبسيط وهو أن السيدة مريم العذراء كانت تضع الحجاب على رأسها أيضًا، وهي أقدس امرأة عرفها التاريخ، كما أنها واحدة من أربع نساء هن الأكمل في بني الإنسان حسب التصور الإسلامي وكما ورد في الحديث النبوي، ومعها السيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة آسية امرأة فرعون. وزير الداخلية الإيطالي كان يواجه النزعات العلمانية المتطرفة التي تنادي بالتصدي لظاهرة الحجاب التي انتشرت بين النساء المسلمات في إيطاليا حتى النساء الإيطاليات اللاتي أسلمن، واعتبروا ذلك اختراقًا خطيرًا للثقافة المسيحية، ((جوليانو أماتو)) قال لهم: إذا كانت العذراء محجبة، فكيف تطلبون مني رفض أي امرأة تتحجب، أو حسب نصه الحرفي: ((إن المرأة التي حظيت بأكبر نصيب من المحبة على مر التاريخ وهي السيدة العذراء تصور دائمًا وهي محجبة)). وزير الداخلية الإيطالي كشف عن كارثة أخرى لدى المتطرفين العلمانيين، وهي ظهور تيار ثقافي جديد بينهم يطالب (بتعديل) اللوحات التي تظهر السيدة مريم العذراء وهي تضع الحجاب على رأسها، ويطالبون بإلغاء هذا المشهد ونشر لوحات لها وهي سافرة بدون الحجاب !))
جمال سلطان (27 – 7 – 2007): (حجاب السيدة مريم العذراء)، صحيفة (المصريون) الإلكترونية

[2] الدسقولية Didascalia: كلمة من الأصل اليوناني ((ديدسكاليا)) ومعناها ((تعاليم)). تعتقد الكنيسة الأرثودكسيّة أنّ هذا الكتاب هو ((مجموعة تعاليم رسل المسيح عن بعض أنظمة الكنيسة وواجبات خدّامها وشعبها.)).
وقد جاء في مخطوطةٍ لكتاب في الشرائع الكنسيّة ((لأبي إسحاق ابن العسّال)) النصراني –محفوظة في مكتبة جامعة كمبردج (1678م)– قول ((أبي إسحاق)) حول المراجع التي اعتمدها في كتابه في الشرائع الكنسيّة –بلغة ركيكة-: ((والكتاب الثالث الموسوم بالدسقالية أي التعاليم تضمن أنه اجتمع على وضعه بايرشليم.
الرسل الحواريون الاثناعشر. والرسول السماوي بولس. ويعقوب بن يوسف. المسمى أخا الرب. أوّل أساقفة يروشليم. وهو كتاب مشحون علوما. مملو فرايض الإلهية مفعم أحكاما روحانية. وبعضها عالمية. وأكثر ما تضمنه. استشهادات من الإنجيل المقدس. ومن كتب العتيقة. وعدة أبوابه فيه تسعة وثلاثون بابًا والرمز عليه في هذا الكتاب بثلث أحرف. وهي دسق أي دسقالية وإذا أردت المقابلة عليه. بما ينسب إليه. في هذا الكتاب فلا تجعل عمدتك. في كله شرح صدور أبواب الفصل. كل اطلبه في المنسوب إليه في هذا الكتاب. فإنّك تجده إما في وسطه. وإما في آخره. وكذلك افعل في جميع ما يشكل عليك من هذا الوجه. في قوانين الملوك وغيرها. وهذا الكتاب عني بإخراجه القبط خاصة دون غيرهم وليس فيه ما تنفيه البيعة. ولا يباين صحف الشريعة. كل جميعه لا يمكن أحد من أولاد البيعتين الملكية والنسطورية. ولا من أبايهم القدح فيه. ولا الطعن عليه. لمطابقة ما وقع الاتفاق عليه من القوانين الرسولية. والمجامع المتفق عليها في البيع الثلاثة. ولما استشهد فيه بكتب الأصول العتيقة والجديدة.)) (Margaret Dunlop Gibson, The Didascalia Apostolorum in Syriac, London: C. J. Clay and Sons, 1903 , p. (ܪܠܕ))
[3] جاء في الطبعة العربية للدسقولية , تعريب القمص مرقس داود ص 7 (مكتبة المحبة) : ((تشوق الكثيرون أن يقتنوا ذلك الكتاب الذي اتخذ من القديم دستورًا للكنيسة الأرثوذكسية, ولا تزال تعترف به قانونًا لها رغم تعدي الكثيرين على كسر ما جاء به من القوانين والتعاليم.. وحال دون هذه الأمنية نُدرة وجوده وعدم طبعه حتى الوقت الحاضر على الرغم من أنه التالي في كتب الكنيسة للكتاب المُقدس .))
انظر أيضا؛ Otto Friedrich August, Two Thousand Years of Coptic Christianity, Cairo: The American University in Cairo Press, 1999, p. 46
[4] الدسقولية, ص 27
[5] المصدر السابق
[6] Margaret Dunlop Gibson, The Didascalia Apostolorum in Syriac, London: C. J. Clay and Sons, 1903, p. 10, ܝܖ
[7] الدسقولية, ص 27
[8] هيبوليتوس روما Hippolytus of Rome: (160م-235م) يقول التراث الكنسي إنّه أحد تلاميذ قديس الكنيسة ((إيرانيوس)). يعتبر أحد أغزر كتّاب الكنيسة تأليفًا في بدايات النصرانية. تعتبره الكنيسة من أعلام شهدائها.
انظر؛ The Columbia Encyclopedia, p.898
[9] Dom B. Botte, Hippolyte de Rome: La Tradition Apostolique, dans ‘Sources Chrétiennes’ n: 11, Paris 1946
(نقله د. جورج عوض, مقدمة في علم الليتورجيات, المركز الأرثودكسي للدراسات الآبائية, نسخة إلكترونية)
[10] Hippolytus, On the Apostolic Tradition, tr. Alistair Stewart-Sykes, New York: St Vladimir’s Seminary Press, 2001 , p. 104
[11] Apparently at all times
[12] انظر؛ Charles Bigg, The Origins of Christianity, Oxford: Clarendon Press, 1909, p. 279
[13] The Apostolic Constitutions: كتاب من ثمانية أجزاء, تقول ((الموسوعة الكاثوليكية )) (New York: The Universal Knowledge Foundation, 1913), 1/636 إنّه يمثّل وثيقة تاريخية هامة لمعرفة واقع الكنيسة في القرنين الثالث والرابع (( They are to-day of the highest value as an historical document, revealing the moral and religious conditions and the liturgical observances of the third and fourth centuries ))
[14] انظر؛ R. H. Cresswell, the Liturgy of the Eighth Book of ‘The Apostolic Constitutions’, p.9
[15] Alvin J. Schmidt, op. cit., 135
[16] المصدر السابق
[17] المصدر السابق
[18] العسال, المجموع الصفوي, الكليّة الإكليريكيّة واللاهوتيّة للقبط الأرثوذكس, د.ت, 2/148
[19] المصدر السابق
[20] شنودة الثالث, اللاهوت المقارن –الجزء الأول-, القاهرة: الكليّة الإكليريكيّة للأقباط الأرثودكس, 1992م, ط2, ص 50
[21] المصدر السابق, ص 56

الحجاب عند آباء الكنيسة وقديسيها

إجماع آباء الكنيسة على فريضة الحجاب:
إنّ القول إنّ فريضة التزام الحجاب داخل الكنيسة, يلزم منها من باب أولى إلزام المرأة بالحجاب خارجها؛ ليس اجتهادًا إسلاميًا مُسقَطاً على النصرانيّة, وإنّما هو قول أعمدة الكنيسة وآبائها؛ فإنّه كما قالت الناقدة ((جويس إ. سالزبوري)) ((Joyce E. Salisbury)): ((كان شعر المرأة رمزًا وتعبيرًا عن جانبها الجنسي (her sexuality) ونوعها (her gender), وهو ما جعل آباء الكنيسة يقولون دائمًا إنّ على النساء أن يغطّين رؤوسهن.))[1] وقرّرت الباحثة ((دي أنجلو)) ((D’Angelo)) أنّ: ((المفسّرين (للكتاب المقدس) منذ ترتليان كانوا يرون أنّ بولس يقرّر أنّه لا بدّ أن يُغطى رأس المرأة بحجاب؛ حتى لا يتمّ إغواء الملائكة.))[2]
وقد جاء في معجم : (( A Dictionary of Christian Antiquities )): ((بما أنّ التعليم الرسولي وعرف الشرق قد اعتَبَرا أنّه غير لائق بالمرأة أن تُرى برأس غير مغطّى؛ فإنّ النساء في كنائس الشرق وإفريقيا قد غطين رؤوسهن, لا فقط في المجامع, بل عامة لمّا كنّ يظهرن في الأماكن العامة.))[3]
وقال ((ألفن شميت)): ((طلب كلّ من آباء الكنيسة والعديد من المجامع الكنسيّة بصورة مقنّنة من المرأة المتزوجة أن تتحجّب.)).[4]
إنّها الحقيقة الدينيّة/التاريخيّة التي يعمل اليوم أرباب الكنائس عامة, والتقليديّة خاصة, على تغييبها عن وعي النصراني وذاكرته, والزعم أنّ الحجاب هو رمز ديني إسلامي وافد على المجتمعات النصرانيّة .. وفي التالي من الحديث تفصيل مُسْنَدٌ للأقوال ..

ترتليان:
ولد ((ترتليان)) سنة 160م وتوفي سنة 220م .. وعاش في مرحلة تكوّن معالم الكنيسة الأولى, وتشكُّلِ المفاهيم الأخلاقيّة والسلوكيّة المبكّرة .. سُمِّي بأبي الكنيسة اللاتينيّة .. كان غزير التأليف, وله كتابات في الرد على اليهود والوثنيين والهراطقة .. كما كانت له عناية خاصة بالمواضيع الأخلاقيّة وقضايا المرأة ..[5]

الحجاب عند ترتليان:
يُعدّ حرص ((ترتليان)) على إلزام المرأة بالحجاب, من الحقائق التاريخيّة الذائعة المعلومة؛ فهو القائل في كتابه: ((حول حجاب العذارى)) ((De Virginibus Velandis)) إنّ على العذراء أن تلبس الحجاب في الشارع كما في الكنيسة دون فارق, وقال أيضًا في نفس المؤلَّّف: كما أنّها مطالبة بالحجاب من أجل الملائكة, فهي كذلك مطالبة به من أجل الرجال حتى لا يفتنوا بها.[6]
ومدح في نفس الكتاب المرأة العربية لأنها تغطّي كلّ وجهها إلا عينًا واحدة: ((الإناث الوثنيات في بلاد العرب سيكنّ الحاكمات عليكن, فهن لا يغطين فقط الرأس, وإنّما يغطين الوجه أيضًا, فهن مغطيات بصورة كاملة؛ حتّى إنهن قانعات بعين واحدة غير مغطاة؛ ليتمتعن بنصف الضوء على أن يعرين وجوههن كاملة. الأولى بالأنثى أن ترى غيرها لا أن تُرى من غيرها.))[7]
وقال: ((غطِّي رأسكِ! إن كنت أمًّا؛ فلأجل ابنك, وإن كنت أختًا؛ فلأجل إخوتك.))[8]
وقال في مؤلّفه ((الإكليل)) ((De Corona)) إنّ على المرأة أن تتحجّب؛ لأنّ ذلك يتوافق مع قوانين الله ((المنحوتة في الطبيعة))؛ معتبرًا أنّ ((بولس)) كان في شأن الحجاب يقدّم القانون الطبيعي والقانون الكاشف للطبيعة. فالنواميس الكونية والشرعية تتوافق مع بعضها ولا تتنافر, والتقاؤها في فرض الحجاب على المرأة ظاهرٌ معاينٌ.[9]
ويفهم من كلامه أنّ النصرانيات كنّ يرتدين الحجاب في الأماكن العامة في زمانه؛ فقد قال في كتابه: ((حول الصلاة)) ((De Oratione)) موبخًا النساء اللواتي يذهبن إلى الكنيسة غير محجّبات: ((لماذا تكشفن أمام الله, ما تغطينه أمام الرجال؟ هل أنتن محتشمات في الشارع أكثر من الكنيسة؟))[10] .. وهذا إخبار عن واقع الحجاب وإقرار له, والإقرار وجه من أوجه الموافقة والتأييد.

كلمنت السكندري:
ولد ((كلمنت السكندري)) سنة 150م وتوفي سنة 215م .. كان من أعظم اللاهوتيين في زمانه .. وقد تتلمذ عليه اللاهوتي البارز ((أريجن)) .. تميّز بكثرة اقتباساته من الكتاب المقدس في أطروحاته المكتوبة, وعنايته بتقديم النصرانيّة في ثوب علمي جذّاب .. كانت له عناية بالقضايا اللاهوتيّة في زمانه, كما انشغل بالتأصيل للجانب الأخلاقي للطائفة النصرانيّة الآخذة في النمو .. ألّف ثلاثة أبحاث هامة موصولة بالجانب الأخلاقي: ((Paedagogus)) و((Protrepticus)) و((Stromata)).[11]
الحجاب عند كلمنت السكندري:
كتب قديس الكنيسة ((كلمنت الاسكندري)) مؤلَّفه ((المعلّم)) ((Paedagogus)), وهو يعتبر مع كتاب ((Symposion he peri hagneias)) لقديس الكنيسة ((ميثوديوس ألمبوس)) ((Methodius of Olympus))[12] أبرز كتابين ألّفا في القرون النصرانيّة الأولى في أمر واجبات المرأة ومقامها.[13]
يتكوّن هذا المؤلّف من ثلاثة كتب: تحدّث ((كلمنت الاسكندري)) في الكتاب الأوّل عن المعلّم وأصول التعليم: حبّ المعلّم للناس, وعالميّة التعليم ومكافأته وعقوبته. وخصّص الكتابين الثاني والثالث للقضايا الجزئيّة التفصيليّة, وقد عرضها في أسلوب شديد لاذع, وتطرّق فيهما إلى أمور: الأكل والشرب, والنوم, والاتباع, والجنس, والنظافة الشخصيّة, والملكيّة وأمور أخرى …
لمّا تطرّق قديس الكنيسة ((كلمنت السكندري)) إلى قضيّة ما يجوز للمرأة أن تكشفه من جسدها, قال بصراحة, وصرامة, ووضوح: ((لا بدّ للمرأة أن تغطّي جسدها بصورة كاملة, ما لم تكن موجودة في بيتها؛ لأنّ هذا الطراز من اللباس وقور, وهو يحميها من حملقة العيون في جسدها … وهي أيضًا بتغطيتها وجهها لا تدعو غيرها ليسقط في الخطيئة.))[14]

أوغسطين:
ولد قديس الكنيسة ((أوغسطين)) سنة 354م وتوفي سنة 430م .. هو أحد لاهوتيي الكنيسة الأوائل, وأهم من ساهم في صياغة اللاهوت الكنسي, وقد امتد تأثيره على الكنائس الغربيّة منذ القرن الخامس إلى اليوم, ويعتبر من أهم روافد الفكر البروتستانتي في كتابات ((مارتن لوثر)) ..[15]
الحجاب عند أوغسطين:
تحدّث قديس الكنيسة ((أوغسطين)) عن الحجاب في رسالته: ((حول العذريّة)) ((De virginitate)) حيث أعلن النكير الشديد واللوم والتأنيب على من تلبس حجابًا رقيقًا أو تلفّ رأسها بطريقة جذابة للرجال, معتبرًا أنّ ذلك ينافي العفّة[16]. وقد ورد هذا التنبيه الأخلاقي بصورة تعميميّة تنفي أن يكون خاصًا بالعذارى فقط؛ إذ جُعلت علّته العفّة, وهي واجبة على العذارى وغيرهن. وجاء النهي عن ترك احترام المواصفات الدينيّة للحجاب؛ مما يعني أنّ الحجاب فرضٌ في ذاته!
وصرّح قديس الكنيسة ((أوغسطين)) في رسالته إلى قسيس اسمه ((بوسيديو)) ((Possidio)) أنّ الذين هم ((من العالم))-أي المنشغلين عن الآخرة بلذائد الدنيا الدانية-يبحثون عن الطريق لإرضاء زوجاتهم إن كانوا رجالاً, ويبحثن عن الطريق لإرضاء أزواجهن إن كنّ نساءً, أمّا النساء اللواتي يعملن بما أمر به الرسول[17], فإنهن يغطين رؤوسهن وإن كنّ متزوجات. ((illi autem cogitant quae sunt mundi, quo modo placeant vel viri uxoribus vel mulieres maritis, nisi quod capillos nudare feminas, quas etiam caput velare Apostolus iubet, nec maritatas decet)) [18]
وقرّر في مؤلّفه ((حول أعمال الراهب)) ((De Opere Monachorum))–كغيره من الآباء-أنّ على المرأة أن تغطي جسدها, بما فيه الرأس؛ لأنّها ليست صورة الله, بخلاف الرجل الذي قرّر الكتاب المقدّس أنّه صورة الله؛ ليكون ذلك علّة أخرى -مع الدعوة إلى العفة-, لفرض الحجاب على النساء.[19]

يوحنا ذهبي الفم:
ولد قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) ((Ιωάννης ο Χρυσόστομος)) سنة 347م وتوفي سنة 407م .. كان رئيس أساقفة القسطنطينية .. اشتهر ببراعته في الخطابة .. كان كثير التأليف .. من أهم كتاباته, تعليقاته المطوّلة على أسفار من الكتاب المقدس .. تعتبر أقواله المحفوظة إحدى أهم المراجع المعتمدة في الكنائس التقليديّة لنصرة مذاهبها, ويكثر الاستدلال بكتاباته في مؤلّفات رجال الدين الكنيسة المصريّة المرقسيّة الأرثودكسيّة ..[20]
الحجاب عند يوحنا ذهبي الفم:
لقديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) مواعظ شهيرة, تعرّض خلالها لشرح نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/4-5 : ((فَكُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غِطَاءٌ، يَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهِ. وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ، وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهَا غِطَاءٌ، تَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهَا))
وقد قال في التعليق على هذا النصّ إنّ ((بولس)) لم يأمر الرجل بكشف الرأس طوال الوقت, وإنّما فقط حال صلاته, لكنّه ((أمر المرأة أن تكون كامل الوقت مغطاة.))[21]
وقال أيضًا في نفس الموضع: ((إذا كان حلق شعر المرأة مخز دائمًا؛ فإنّ كشفها شعرها يعدّ أمرًا يستحقّ دائمًا التوبيخ)).[22] في تأكيد على وجوب ملازمة المرأة لارتداء الحجاب!
وعلّق على نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/10: ((لِذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا عَلاَمَةَ الْخُضُوعِ، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ.)) بقوله: ((يعني أنّه ليس فقط في وقت الصلاة, وإنّما عليها أن تكون دائمًا مغطاة)).[23]
وأضاف في وصف شكل حجاب المرأة في تعليقه على الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/6؛ بأنّ على المرأة أن تكون: ((محميّة من النظر, من كلّ جهة.))[24], وفي ترجمة انجليزية أخرى لنفس النصّ : ((ملفوفة من كلّ جهة.))[25]؛ مما يعني أنّ قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) يرى وجوب النقاب على المرأة النصرانيّة!
وقرّر في تعليقه على 1 كورنثوس 11/16 أنّ من عارض أحكام ((بولس)) -التي شرحها ((ذهبي الفم)) سابقًا-؛ فهو معارض بذلك للكنيسة نفسها.[26]

أمبروز:
ولد قديس الكنيسة ((أمبروز)) سنة 337م وتوفي سنة 397م .. كان أسقفًا لمدينة ميلانو .. يعتبر من أئمة اللاهوتيين في القرن الرابع .. كان له اهتمام بالجانب الأخلاقي النصراني, بالإضافة إلى اللاهوت والليتورجيات .. من أهم مؤلّفاته : ((De officiis ministrorum)) وهو في ثلاثة كتب حول الأخلاق النصرانيّة ..[27]
الحجاب عند أمبروز:
تحدّث قديس الكنيسة ((أمبروز)) [28]عن الحجاب في مؤلفه ((حول العذارى)) ((De Virginibus )) .. ودلّت عبارته فيه على أنّه يراه إلزاميًا لكلّ النساء؛ فقد قال في لغة صارمة, محذّرة : ((هل يوجد شيء أكثر إثارة للشهوة من الحركات غير اللائقة لعرض عري هذه الأعضاء التي غطّتها الطبيعة أو أمر العرف بتغطيتها, واللهو بإطلاق النظر, وإدارة العنق, وإرسال الشعر)).[29]
وقال في كتابه ((حول التوبة)) ((De Paenitentia)): (( لندع العرف نفسه يعلّمنا. تغطّي المرأة وجهها بنقاب للسبب الآتي؛ وهو أن يكون احتشامها محميًا في المكان العام, وألا يلتقي وجهها بسهولة مع تحديق الشباب فيه… إذا كانت تغطّي رأسها بالخمار حتّى لا تَرى أو تُرى (ولو) عن غير قصد (لأنّه إذا كان الرأس مغطى؛ كان الوجه مغطى), فكم بالأحرى أنّه عليها أن تغطي نفسها بثوب الحشمة؛ حتى إنّها تتخذ لنفسها في المكان العام مكانًا منزويًا secret place.))[30]

توما الأكويني:
ولد ((توما الأكويني)) سنة 1225م وتوفي سنة 1274م .. أكبر لاهوتي كاثوليكي في القرون الوسطى .. كان من أبرز الداعين إلى التعمّق في فهم تراث آباء الكنيسة[31], خاصة ((أوغسطين)), وله اطّلاع واسع على أقوالهم ومذاهبهم .. دَوَّن عامة أفكاره في كتابه ((الخلاصة اللاهوتيّة)) ((Summa Theologica)) حيث تعرّض إلى عامة القضايا اللاهوتية التي كانت تشغل أهل زمانه .. قرّر البابا ((ليون الثالث عشر)) سنة 1879م في وثيقته ((Æterni Patris)) أنّ أفكار ((توما الأكويني)) معبّرة عن المعتقد الرسمي للكنيسة الكاثوليكيّة ..[32]
الحجاب عند توما الأكويني:
نقل قدّيس الكنيسة ((توما الأكويني)) الجزء الخاص بالحجاب في رسالة قديس الكنيسة ((أوغسطين)) إلى صاحبه ((بوسيديو)) –الذي ذكرناه سابقًا- دون أن ينكر معناه أو يردّ دلالته, وإنما أضاف أنّ المرأة إذا كانت تعيش في بيئة ترى وجوب الحجاب, فإنّها آثمة إن نزعته. وإذا كان العرف لا ينكر نزع الحجاب؛ فإنّ هذا العرف ((non sit laudabilis)) أي: ((غير جدير بالثناء)), وإن لم تكن هي آثمة في هذه الحال.[33]
ولا شكّ أنّه يلزم ممّا قاله ((توما الأكويني)) تأثيم النصرانيات في البلاد العربيّة؛ لأنّهن لا يرتدين الحجاب في بيئة ترى وجوبه!

***
لم تحافظ الكنيسة بعد عصر الآباء على فريضة الحجاب, ونشأت فيها الرخاوة في الأحكام المحدثة. ولمّا ظهر التيّار البروتستانتي, شنّع أعلامه على الفساد الأخلاقي المستشري في البلاد بسبب فساد البابوات, وطُرِح أمر العفّة بالنسبة للنساء من جديد, وأبرَزَ عدد من أعلام البروتستانت أهميّة العناية باللباس كمظهر نصراني جدير بالعناية, وقد كان لهذا الفكر حضور في حياتهم الخاصة, فهذه ((Katharina von Bora)) زوجة ((مارتن لوثر)) قد التزمت بارتداء غطاء للرأس حتى بعد تركها للرهبنة, وكان كبار أعلام مؤسسي المذهب البروتستانتي يكبرون فضيلة الحجاب ((كجون نوكس)) ((John Knox)), و((كالفن)) الذي قال: ((إذا سُمِح للنساء أن يكنّ كاشفات للرأس, فسيؤول بهن ذلك إلى أن يستبحن كشف كامل صدورهن, وسيقمن بعرض أنفسهن وكأنّهن في استعراض وقح, سيكنّ صفيقات إلى درجة أنّه لن يكون هناك مجال للعفّة والحياء. ))[34]
[1] Joyce E. Salisbury, Church Fathers, Independent Virgins, London: Verso, 1992, 105e
[2] Jorunn Økland, Women in their Place: Paul and the Corinthian Discourse of Gender and Sanctuary Space, London: Continuum International Publishing Group, 2004, p.174
[3] William Smith, and Samuel Cheetham, eds. A Dictionary of Christian Antiquities, London : J. Murray, 1893, 1/761
[4] Alvin J. Schmidt, Op. Cit., p. 134
[5]انظر؛ عادل فرج عبد المسيح, موسوعة آباء الكنيسة, 2/154-197 , القاهرة, دار الثقافة, ط2, 2006, John R. Tyson, Invitation to Christian Spirituality, New York: Oxford University Press, 1999 , p.63
[6] انظر؛ The Ante-Nicene Fathers, 1885, 4/35
[7] المصدر السابق, 4/37
[8] المصدر السابق
[9] The Ante-Nicene Fathers, 1869, 1/339
[10] Tertullian, ‘On Prayer,’ in The Ante-Nicene Fathers, Edinburgh: T. & T. Clark, 1869, 11/197-198
[11] انظر ؛ Hubertus R. Drobner, The Fathers of the Church: A Comprehensive Introduction, tr. Siegfried S. Schatzmann, Massachusetts: Hendrickson Publishers, 2008 , pp.132-136
[12] ميثوديوس ألمبوس (توفي في بداية القرن الرابع): كاتب كنسي كان في مرتبة أسقف.
[13] انظر؛ James Donaldson, Woman; Her Position and Influence in Ancient Greece and Rome, and Among the Early Christians, London: Longmans, 1907, p.151
[14] Tertullian, ‘the Instructor,’ in The Ante-Nicene Fathers, Buffalo: christian Literature Company, 1885, 2/290
[15] انظر؛ The Columbia Encyclopedia, New York: Columbia University Press, 1950 p.120-121,
[16] انظر؛ Augustine, Seventeen Short Treatises of S. Augustine Bishop of Hippo, Oxford: John Henry Parker, 1847, pp. 334-335
[17] ربما يقصد به ((بولس)).
[18] انظر؛ James Houston Baxter, Select Letters by Augustine, Ma: Harvard University Press, 1988, pp. 478-479
[19] Alvin J. Schmidt, Op. Cit., p. 134
[20] انظر؛ The Columbia Encyclopedia, 1015
[21] The Homilies of St. John Chrysostom, Archbishop of Constantinople, Tr; members of the english church, Oxford: John Henry Parker, 1845, p. 356
[22] نفس المصدر السابق
[23] ((He signifies that not at the time of prayer only, but also continually, she ought to be covered )), المصدر السابق
[24] ((sheltered from view on every side)), المصدر السابق, ص 357
[25] : Christian Literature Publishing Co., 1889.) Revised and edited for New Advent by Kevin Knight. <http://www.newadvent.org/fathers/220126.htm
[26] The Homilies of St. John Chrysostom, Archbishop of Constantinople, p.361
[27] انظر؛ The Encyclopaedia Britannica,1/ 798-799 (1910),The Oxford Dictionary of Saints, pp.20-21
[28] يكتب اسمه في المؤلّفات العربيّة عادة: ((أمبروسيوس))
[29] Ambrose, ‘Concerning Virgins,’ in The Nicene and Post-Nicene Fathers, New York: The Christian Literature Company, 1896, 10/ 385
[30] The Nicene and Post-Nicene Fathers,10/340
[31] لا يعتبر ((توما الأكويني)) من آباء الكنيسة, وإنّما هو وريث فكرهم في القرون الوسطى.
[32] انظر؛ Frank Thilly, History of Philosophy, New York: H. Holt and Company, 1914, pp. 191-203
[33] انظر؛ The Summa Theologica of St. Thomas Aquinas, Second and Revised Edition, 1920, Literally translated by Fathers of the English Dominican Province
http://www.newadvent.org/summa/3169.htm
[34] John Calvin, Men, Women and Order in the Church: Three Sermons, tr. Skolnitsky, p.12 (Quoted by, Ali Shehata, op. cit., p.261)

CHURCH FATHERS: Homily 26 on First Corinthians (Chrysostom)

http://www.newadvent.org

Featuring the Church Fathers, Catholic Encyclopedia, Summa Theologica and more.

الحجاب في العهد القديم

يضمّ العهد القديم مجموعة من النصوص التي تدلّ بلفظها الواضح على أنّ الحجاب كان شريعة ربّانية ملزمة للنساء, وقد كانت هذه النصوص معلومة للأحبار الذين أخذوا من عامتها حكم وجوب الحجاب على المرأة اليهوديّة[1], لكن مع تأثّر اليهود بالمجتمعات الغربيّة, وتحوّل اليهوديّة من دين مرتبط -إلى حد ما- بأصله السماوي, إلى انتماء عرقي ضيّق يتبنّى في الأغلب الفكر الليبرالي الغربي الغالب؛ غابت هذه النصوص عن جلّ ساحات الطرح الفكري العملي ..
ويلاحظ في هذه النصوص أنّ الكثير منها لا يقف عند شريعة تغطية المرأة شعرها, وإنّما يتجاوز ذلك إلى القول بتغطية الوجه, وبالتالي ستر المرأة كامل جسدها؛ تقول الموسوعة اليهوديّة: ((The Universal Jewish Encyclopedia)) تحت عنوان ((Veil)) في بيان أمر النقاب في العهد القديم: ((النقاب لتغطية الوجه. يضمّ الكتاب المقدس عدّة كلمات تترجم عادة على أنّها (نقاب). المعنى الدقيق لهذه الكلمات غير معروف, ربّما هي تشير إلى ملابس أخرى تستعمل هي أيضًا لتغطية الوجه. كلمة צע’ף استُعمِلت لرِفقة (تكوين 24/65) وثامار (تكوين 38/14, 19), الألفاظ الأخرى التي استُعمِلت في الكتاب المقدّس للنقاب- رغم أنّ معناها ليس دائمًا قطعيًا- هي צמה (إشعياء 47/2, نشيد الأنشاد 4/1,3, 6/7) وרד’ד (إشعياء 3/23, نشيد الأنشاد 5/7) وרעלה (إشعياء 3/19)))[2]
وسنتناول هنا أهم نصوص العهد القديم التي تظهر المكانة الشرعية للحجاب في تلك الأسفار التي يقدّسها اليهود -والنصارى أيضاً-؛ بما يجلي الحقيقة من منطوق النصوص ومفهومها..
****
جاء في سفر التكوين 24/64- 65 : ((ورَفَعَت رِفقَةُ عَينَيها فرَأَت إِسحق فقَفَزت عنِ الجَمَل، وقالَت لِلخادِم: ((مَن هذا الرَّجُلُ القادِمُ في الحَقلِ لِلِقائِنا؟)) فقال الخادم: ((هو سَيِّدي)). فأَخَذَتِ الحِجابَ واحتَجَبَت به.)) (ترجمة كتاب الحياة) وفي ترجمة (الفاندايك): ((فأخذت البرقع وتغطت.))
((ותשא רבקה את-עיניה, ותרא את-יצחק; ותפל, מעל הגמל.
ותאמר אל-העבד, מי-האיש הלזה ההלך בשדה לקראתנו, ויאמר העבד, הוא אדני; ותקח הצעיף, ותתכס. ))
ماذا فعلت ((رفقة))؟
لقد أخذت ((الحجاب/البرقع)) ((הצעיף)) (هتصاعيف) و((اكتست)) ((ותתכס)) به .. وهو –كما تقول الموسوعة الكتابية ((The International Standard Bible Encyclopaedia)) رداءٌ كبير كان يستعمل في ذاك الزمان لتغطية الوجه أيضًا![3]
لقد استعملت الترجمة السبعينيّة اليونانيّة كلمة ((τὸ θέριστρον)) في مقابل كلمة ((הצעיף)), وهي اسم لرداء صيفي خفيف يغطّي البدن, وخاصة الرأس[4], وقد ذكره ((ترتليان)) في الفصل 17 من كتابه ((de Velandis virg.)) وقديس الكنيسة ((جيروم)) في كتابه ((ad Eustoch.)), كلباس كان النساء العربيات يرتدينه في القرون الميلاديّة الأولى.[5]
استعملت نفس هذه الكلمة في الترجمة السبعينية لنشيد الأنشاد 5/7 في حديث المرأة عن نزع الحراس لبعض ما تلبس عن جسدها.
****
جاء في سفر إشعياء 47/1-3 : ((انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض لا على العرش ياابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي من بعد الناعمة المترفهة. خذي حجري الرحى واطحني الدقيق. اكشفي نقابك، وشمري عن الذيل، واكشفي عن الساق، واعبري الأنهار، فيظل عريك مكشوفا وعارك ظاهرا، فإني أنتقم ولا أعفو عن أحد.))
يخاطب الربّ في هذا النصّ مدينة بابل -أو أهلها[6]- موبّخًا لها لمعصيتها أوامره؛ ويخبر عمّا سيؤول إليه أمرها من سقوط وذلّ, وهو يفعل ذلك من خلال الرمز إليها بالفتاة العذراء ((בתולת)) (بتولة) .. ستنزل الابتلاءات الشديدة على هذه البنت, بعد عزٍّ قديم .. ستجلس على غبار ((עפר)) (عافار) الأرض .. وستطحن الدقيق بيديها, وهو فعل العبيد والإماء في ذاك الزمن[7] .. وستكشف عن الـ((نقاب)) ((צמה)) في علامة على سقوط كرامتها ولحوق المهانة بها. وفي هذا يقول القمّص ((تادرس يعقوب ملطي)): ((((اكشفي نقابك، شمري الذيل))؛ وهو أمر غير لائق بالفتيات الصغيرات الشريفات في ذلك الحين، أن يكشفن وجوههن أو يشمرن ذيل ثيابهن.))[8]
إنّ قول (الربّ) في هذا النصّ لهذه البنت: ((اكشفي نقابك)) ((גלי צמתך)) ؛ يعدّ دليلاً على أنّ الأصل في المرأة أن تكون منتقبة.
ويوضّح الناقد ((جوزيف أديسن ألكسندر)) ((Joseph Addison Alexander)) المعنى بقوله: ((تحدّث أحد الشعراء العرب عن مجموعة من النسوة غير محجّبات, وأنّهن بذلك يشبهن الإماء, وهي نفس الفكرة المعبّر عنها هنا.))[9] .. فالحجاب هنا هو الذي يميّز المرأة الحرّة عن الأَمَة المستعبدة.
****
جاءت الإشارة إلى استعمال نساء بني إسرائيل النقاب في سفر إشعياء 3/ 16-24 :
((يقول الرب: ((لأن بنات صهيون متغطرسات، يمشين بأعناق مشرئبة متغزلات بعيونهن، متخطرات في سيرهن، مجلجلات بخلاخيل أقدامهن.
سيصيبهن الرب بالصلع، ويعري عوراتهن.))
في ذلك اليوم ينزع الرب زينة الخلاخيل، وعصابات رؤوسهن والأهلة،
والأقراط والأساور والبراقع ((והרעלות))،
والعصائب والسلاسل والأحزمة، وآنية الطيب والتعاويذ
والخواتم وخزائم الأنف،
والثياب المزخرفة والعباءات والمعاطف والأكياس
والمرايا والأردية الكتانية، والعصائب المزينة وأغطية الرؤوس
فتحل العفونة محل الطيب، والحبل عوض الحزام، والصلع بدل الشعر المنسق، وحزام المسح في موضع الثوب الفاخر، والعار عوض الجمال.))
كلمة ((רעלות)) (رعالوت) هي جمع ((רעל)) (راعل), وهو نقاب من النوع الفاخر على خلاف النوع الأدنى والمسمى ((צעיף)).[10]
يهدّد الربّ نساء شعبه (بني إسرائيل) بالعقاب الشديد إن انحرفن عن طريق الحقّ, وسلكن طريق الضلالة, وخرجن عن حدود الشريعة التي أنزلها .. ومن أوجه هذا العقاب: سلب نساء (الشعب المختار) براقعهن .. وهو ما يدلّ على أنّ عادة الإسرائيليات, ارتداء النقاب لتغطية الوجه؛ إذ كيف يسلبهن الربّ شيئًا لا يملكنه؟!
ويقول الناقد ((أتّو كايزر)) ((Otto Kaiser))[11] في تعليقه على هذا النصّ: ((..إنّ ذلك سيجعلهن يشعرن بالخجل وسيُنظر إليهن على أنّهن غير حَييّات بظهورهن بغير نقاب ولا غطاء رأس أمام العامة. إنّ ذلك يعني أنّهن سَيَسْفُلن إلى مرتبة الإماء, وسيُؤخذن كأسيرات حرب.))[12]
واعتبرت الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)) هذا النصّ دليلاً على أنّ ((واجب تغطية الراس يعود إلى الأزمنة القديمة.))[13]
****
وصف سفر دانيال 13/2-3 ((سوسنة)) بأنّها مؤمنة تقيّة: ((فتزوج امرأة اسمها سوسنة، ابنة حلقيا، وكانت جميلة جدًا ومتقية للرب, وكان والداها بارين، فربياها على حسب شريعة موسى.)) .. وقد جاء وصفها أنّها كانت منتقبة في سفر دانيال نفسه: ((وكانت سوسنة لطيفة جدا جميلة المنظر, ولما كانت مبرقعة، أمر هذان الفاجران أن يكشف وجهها، ليشبعا من جمالها.)) (13/31-32).[14]

****
أهمّ نصّ كتابي احتجّ به أحبار اليهود لإثبات شريعة الحجاب, هو ما جاء في سفر العدد عند الحديث عن الشريعة المسمّاة: ((شريعة الغيرة))؛ إذ يقول النصّ إنّ الرجل إذا شكّ في زنى زوجته, ولم يكن معه دليل مادي لإثبات ذلك أمام القضاء؛ فإنّه يأخذ زوجته إلى الكاهن الذي ((يكشف رأس الزوجة، ويضع في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، ويحمل الكاهن بيده ماء اللعنة المر. ويستحلف الكاهن المرأة قائلا لها: إن كان رجل آخر لم يضاجعك، ولم تخوني زوجك، فأنت بريئة من ماء اللعنة المر هذا…)) (سفر العدد5/18-19) .. وما كان للكاهن أن (يكشف) إلا رأسًا مستورًا بحجاب .. وقد علّق الحبر اليهودي الشهير والعَلَمُ بين علماء بني إسرائيل ((راشي)) [15] على هذا النصّ بقوله: ((بما أنّهم يفعلون ذلك لإصابتها بالخزي … فإنّ ذلك يدل على أنّه (في أصله) محرّم. أو أيضًا, بما أنّه قد كتب: ((يكشف))؛ فإنّه يستتبع ذلك القول إنّه إلى حدّ ذاك الفعل, كان (رأسها) مغطّى, ويتضح من ذلك أنّه ليس من عادة بنات إسرائيل أن يخرجن برأس مكشوف. هذا هو (التفسير) الأساسي.))[16], كما عدّه أشهر العلماء اليهود المتأخّرين ((فلنا غاون)) ((Vilna Gaon))[17] دليلاً على حرمة كشف الإسرائيليات لرؤوسهن.[18]
وقد جاء في مدراش سفر العدد 5/18 في بيان سبب كشف الكاهن شعر المرأة وإرساله: ((لأنّ من عادة بنات إسرائيل أن تكون شعورهن مغطّاة, وبالتالي فإنّه لمّا يَكشف شعر رأسها, يقول لها: ((لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة, ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة.))
****
لمّا أراد صاحب سفر نشيد الإنشاد وصف محبوبته, قال: ((لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَاحَبِيبَتِي، لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ مِنْ وَرَاءِ نَقَابِكِ كَحَمَامَتَيْنِ.)) (نشيد الأنشاد 4/1) .. فقول الكاتب -الذي يقول اليهود والكنيسة إنّه ((سليمان)) النبيّ- للمرأة : ((وراء نقابك)) ((מבעד לצמתך)) (مِبَّعَد لصماتيخ)؛ دليل على إقرار هذا النبيّ لارتداء هذا اللباس, وأنّه من شِرعة بني إسرائيل!
****
جاء في إرمياء 3/3 أنّ الربّ الإله كان بصدد تقريع ((يهوذا)) وتأنيبها, فقال: ((لذلك امتنع عنك الغيث، ولم تهطل أمطار الربيع، ومع ذلك صارت لك جبهة زانية تأبى أن تخجل.))
جاء في المعجم الكتابي ((Dictionary of the Bible)) الذي أشرف على تحريره الناقد الكتابي التقليدي الشهير ((فيليب شاف)) ((Philip Schaff)) في مقال ((الجبهة)): ((كلّما كان النساء يراعين العفّة؛ غطّين الجبهة بحجاب, فإن لم يفعلن ذلك؛ كان ذلك منهن علامة على تركهن الحياء. إرمياء 3/3))[19]
****
يخبرنا العهد القديم أنّ كشف الرأس هو علامة الحزن, بل والمبالغة في التجزّع, حتى ((قال موسى لهرون وألعازار وإيثامار ابنيه: ((لا تكشفوا رؤوسكم ولا تشقوا ثيابكم حدادًا، لئلا تموتوا ويسخط الرب على كل الشعب. وأما بقية الشعب فليبكوا على اللذين أحرقهما الرب.)) (اللاويين 10/6) .
فإذا كان كشف الرأس منكرًا بالنسبة للرجال في زمن ((موسى)) عليه السلام, فكيف بالأمر مع النساء؟!
****
[1] سيكون التركيز في بقيّة الكتاب على تغطية الرأس باعتبارها مطابقة لمعنى (الحجاب)؛ وذلك لأنّ تغطية الرأس في اليهوديّة والنصرانية مقترنة عامة بتغطية كامل البدن أو جلّه (باستثناء الوجه والكفين).
[2] Encyclopaedia Judaica, New York: Peter Publishing House, 1971 ,16/84
[3] انظر؛ James Orr, eds. The International Standard Bible Encyclopaedia, Chicago: Howard Severance Company, 1915, 5/3047
[4] Franz Delitzch, A New Commentary on Genesis, tr. Sophia Taylor, New York: Scribner & Welford, 1889, 2/115
[5] انظر المصدر السابق
[6] انظر؛ Joseph Addison Alexander, Commentary on Isaiah, MI: Kregel Publications, 1992, 197
[7] انظر المصدر السابق
[8] تادرس يعقوب ملطي, إشعياء (ضمن سلسلة, من تفسير وتأمّلات الآباء الأوّلين) (نسخة إلكترونيّة)
[9] Joseph Addison Alexander, op. cit., p.197
[10] انظر؛ Franz Delitzsch, Biblical Commentary on the Prophecies of Isaiah, tr. Samuel Rolles Driver, Edinburgh: T. & T. Clark, 1892, 1/131-132
[11] أتو كايزر: ولد سنة 1924م. ناقد كتابي ألماني متخصص في دراسات العهد القديم والفلسفة المعاصرة. رَأَس دراسات العهد القديم في جامعة (ماربورغ). أصدر عددًا من المؤلفات الضخمة في لاهوت العهد القديم وشروح أسفاره.
[12] Otto Kaiser, Isaiah 1-12: A Commentary, Philadelphia: Westminster John Knox Press, 2nd edition, 1983, p.80
[13] The Oxford Dictionary of the Jewish Religion, p.180
[14] سفر دانيال في الكتاب المقدس الكاثوليكي يضم فصلين بعد الفصل الثاني عشر, وهي زيادة مقدّسة أيضًا عند الكنائس الشرقيّة, وقد دافع عن قانونيّتها ((أريجن)) في كتابه ((Epistola ad Africanum)), واستدلّ بها ((ترتليان))كنص موحى به في كتابه ((De Corona)), كما اقتبس منها ((إيرانيوس)) في كتابه ((contra haereses)) (انظر؛ R. H. Charles, The Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old Testament, CA: Apocryphile Press, 2004, 1/645)؛ في حين ينتهي سفر دانيال عند البروتستانت واليهود بالفصل الثاني عشر!! والنص المستدل به, يكشف في أدنى حال –عند اليهود والبروتستانت- , شرعية النقاب في العرف اليهودي القديم!
[15] راشي: اسمه الحقيقي: شلومو يتصحاقي שלמה יצחקי (1040م-1105م): حبر فرنسي. مؤلّف أوّل تفسير موسّع للتلمود, كما أنّ له تفسيرًا موسعًا للعهد القديم. يعتبر شرحه للتلمود والعهد القديم مصدراً أساسياً للشروح التالية لهما عند علماء اليهود.
[16] Yehuda Henkin, Responsa on Contemporary Jewish Women’s Issues, New Jersey: KTAV Publishing House, 2003 , p.131
[17] فلنا غاون, اسمه الحقيقي: إيليا بن شلومو زلمان אליהו בן שלמה זלמן (1720م-1797م): عالم يهودي مبرّز في الدراسات التلموديّة والتشريعيّة والكاباليّة. رغم أنّه من متأخري اليهود زمنيًا, إلاّ أنّ هناك من عدّه من كبار رجال الدين في القرون الوسطى؛ بسبب تميّزه وسلطانه العلمي.
[18] انظر؛ M. Schiller, “The Obligation of Married Women to Cover their Hair,’ in The Journal of Halacha, 30 (1995), 85
[19] Philip Schaff ed., A Dictionary of the Bible, Philadelphia: American Sunday-school Union, 1881, 2nd edition, p.312

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s