منقول:ماذا نفعل في أزمة #مصر الحالية؟


ماذا نفعل في أزمة مصر الحالية؟

لزمتُ الصمت اليومين الماضيين بخصوص أزمة مصر نظرا لتعقيد الوضع وحراجة الموقف جدا. وتذكرت قول ابن مسعود: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). ثم إن ما سأقوله مؤلم سيرفضه من يحبون التعلق بآمال وهمية. لكني مضطر لبيان ما أراه نصحا واجبا لإخواني الذين ألحوا علي في معرفة رأيي وما ينبغي فعله.

والكلام ليس لمن لم يتابعني من قبل، ولم يتابع الوقائع الكثيرة التي أنطلق منها. ومعذرةً، فلن ننشغل بالرد على المتعصبين الذين يشوشون دون علم ولن نبقي هذه المرة على تعليقاتهم. فطوال ما كنا نقول للناس: (هلموا إلينا عن النار) كان هؤلاء ينفرون ويفترون فتطغى أصواتهم ويستمر الركب في المسير نحو الهاوية!

لقد نجحت الدولة العميقة نجاحا باهرا في ضرب المشروع الإسلامي برمته من خلال استفزاز كافة الأطياف “الإسلامية” للالتفاف حول “الطُعم”، للتخلص منهم جميعا دفعة واحدة. فالمهمة الأسهل على الدولة العميقة لو كانت تريد التخلص من الإخوان فحسب هو أن تنفرد بهم دون استثارة خصومة مع الاتجاهات “الإسلامية” الأخرى.
لكنها تعمدت دفع “المعارضة” إلى إطلاق تصريحات تُشعر كافة الأطياف “الإسلامية” بأنها مهددة وأن المعركة معركة هوية إسلامية وشريعة، ليلتفوا حول محمد مرسي ويدعموا بقاءه.

في المقابل، استطاعت إقناع عموم الشعب أن الصراع ليس مع الشريعة ولا مع الإسلام وإنما مع الرئاسة وفشلها الإداري ومتاجرتها بالدين. ولذا، فعند الجواب عن سؤال: هل هو صراع هوية إسلامية؟ فالجواب: أما الدولة العميقة والعسكري فيريدونها كذلك بالفعل حربا على الإسلام، وأما عموم الناس، فقد تم إقناعهم، بالإعلام المغرض والمكائد الخارجية والداخلية وانحرافات الحزبيين…تم إقناعهم بذلك كله أنها معركة سياسية لا دخل للإسلام بها.

وهذا منشأ الخلاف بين من يعتبرها حربا على الإسلام ومن يعتبرها حربا على الرئيس والإخوان…وما قد لا يفهمه بعض”الإسلاميين” الذين يعلنون عدم رضاهم عن مسلك الرئاسة ولكن يدعون إلى دعم “شرعيته” حفاظا على الهوية، أنهم بذلك يُجرون إلى المحرقة التي يُراد ألا تُبقي على أي “لون إسلامي”. فهو انتحار سياسي فضلا عما بيناه من الناحية الشرعية. وتصويرهم المسألة أنها حربا على الكفار والمنافقين فحسب ليس دقيقا، بل الدولة العميقة تدفع باتجاه جعلها مواجهة مع قطاع كبير من الشعب المشحون ضد الرئاسة.

وهذا لا يعني إسلام الإخوان إلى الدولة العميقة ولا إلى العسكر…لكن يعني عدم الانجرار إلى المحرقة والاستماتة في سبيل “الشرعية الشعبية” غير الشرعية، بل والتي كفر بها كثير من الشعب نفسه، أو في سبيل بقاء محمد مرسي رئيسا. بالنسبة للإخوان فهي معركة بقاء وقد يستميتون من أجلها. استخدام القوة من قِبَلهم ومن قبل مؤيديهم من الأطياف “الإسلامية” الأخرى سيسهل على الجيش مهمة المحرقة، دون تعاطف من قسم كبير من الشعب، طالما أن هذه القوة استُخدمت في الدفاع عن الرئيس الذي بقاؤه وزواله ليس مسألة هوية إسلامية في نظرهم.

في الوقت ذاته فترك الإخوان وغيرهم للعسكري يفعل بهم ما يشاء ليس خيارا، فمن الواضح كما ذكرت أن العسكري يريدها حربا على الإسلام. وإذا انقضَّ على مؤسسة الرئاسة بالفعل (أقول: إذا)، فلن يتوقف عندها ولا عند الإخوان ومن ناصرهم. واستخدامه أمس لعبارات الإرهابيين والمتطرفين يدل على ذلك. وإن بدأ بذريعة السيطرة على المظاهرات المؤيدة للرئيس فقد ينتهون بتعقُّب “الإسلاميين” المعتزلين أصلا في بيوتهم!

في الوقت ذاته، فإنا نذكر إخواننا “الإسلاميين الثوريين” المعارضين لمسلك الديمقراطية ولسياسات الرئاسة الانهزامية، والذين لا يمكن تدجينهم، بأنهم هدف محتمل جدا لأي عدوان من طرف الجيش، وأية تسوية يمكن أن يتم التوصل إليها فهم حجر عثرة في سبيلها، خاصة وأن الاحتمال لا زال قائما بالوصول إلى تسوية بعد فوضى مؤقتة تدفع بمؤسسة الرئاسة إلى المزيد من التنازلات لـ”حقن الدماء”، بحيث يتم اجترار نظام مبارك بل أسوأ منه، لكن بشرعنة من “مشايخ” يدفعون إلى القبول بذلك من قبيل “درء المفاسد”!

بناء على ما تقدم:
1. النزول لدعم “شرعية” الرئيس ليس خيارا، لما تقدم من أسباب شرعية عبر السنة والنصف الماضية، ثم لما ذكرته من إقحام “الإسلاميين” بكافة أطيافهم في معركة مختلطة المعالم مع قسم من الشعب الذي تحركه الدولة العميقة ومع العسكر على قضية لا يبذل المسلم روحه من أجلها. والتواجد في الساحات التي هذه معركتها –في عيون الناس على الأقل- هو وقوع في فخ المحرقة، حتى وإن هتف المتواجدون بشعارات الشريعة الخالصة!
2. ضرورة الدفاع عن كل مسلم يُعتدى عليه خارج هذه الساحات. ودفاعك عنه أيها المسلم الكافر بالديمقراطية هو دفاع عن نفسك في المحصلة. لأن المعتدين أحرص على أن ينالوا منك من حرصهم على أن ينالوا من أصحاب المناهج الملوثة. وإن بدأوا بعدوانهم على أولئك فأنت في النهاية هدف أيضا.
3. إن ظهر حراك متمايز عن الصفين بمطالب شرعية كمنع سيطرة العسكري -دون الدعوة إلى شرعنة الرئيس الحالي- أو كمنع العدوان على المسلمين عموما، وبعيدا عن ساحات تأييد أو إسقاط الرئيس، بحيث تكون مطالبه واضحة في عيون الناس متمايزة تماما عن مطالب الفريقين…فأدعو إلى دعم هذا الحراك. مع أني أظن أن ظهوره في هذه الآونة بهذه الشروط صعب.
4. أنصح إخواني بالدعاء والاستغفار. فما حصل ها ما ذكرته في كلمة (الآن “فاز” مرسي فما رأيكم؟)…لا بد من ثمن يُدفع عن الأخطاء الكثيرة الماضية. ونسأل الله السلامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وإني لم أكتب ما تقدم إلا بعد مشاورات ومتابعات واستخارة. وقد لا يعجب الكثيرين لأنهم لم يدركوا بعد أننا لا نبحث عن مخرج من الأزمة أو عن خروج منها بلا خسائر، بل عن خروج بأقل الخسائر في الدين والدنيا. فما كان فيه تقدم من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي وأستغفر الله.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s