إلى أغبياء الجيش :إقرأوا التاريخ


كاراكاس – فنزويلا / 2002

( لقد حاصروا القصر)

هتف بها (اليخاندرو) وهو يراقب الحشود الضخمة من نافذة قصر (ميرافلوريس) .. نهض (هوجو شافيز) من مقعده واتجه ليراقب مئات الآلاف من مواطنيه يسدون الطرقات الرئيسية المؤدية للقصر ..
انها ثورة بالفعل ..
في عصبية هتف (شافيز) بعدما استمع للأصوات المطالبة بقتله :
– لقد نجحوا في هذه الجولة .. أقسم أن (الفيديكامراس) هم رأس الأفعى ..
لم يكد يكمل جملته حتى انفتح باب القاعة بعنف شديد ، دخل مجموعة من جنرالات الجيش وبأيديهم المسدسات بينما أحاط بهم مجموعة من الجنود المدججين برشاشات ثقيلة وحديثة ، قال الجنرال (اندريس بيلو) في صرامة وهو يصوب مسدسه نحو صدر (شافيز) :
– هوجو .. الأمة لم تعد تطيقك .. سلم نفسك فوراً .. كل الجيش معنا ..
نظر لهم (شافيز) وعلى وجهه علامات ضيق هائل .. اتجه نحو مقعده وجلس عليه في صمت لدقيقة ..
صوت صراخ المحتجين المطالبين برحيله شديد للغاية .. الجنود أمامه في غاية التحفز و العصبية .. اليخاندرو خادمه منهار تماماً ..
فكر لدقيقتين .. ثم وقف قائلاً في حزم :
– سأرحل تفادياً لصنع حمامات من الدم .. لكن لن أكتب استقالتي .. وأريد بعض الشروط الأخرى لرحيلي ..
اقترب منه الجنرال (خوان راي) وأنزل مسدسه قائلاً في هدوء :
– لا يهم .. مادمت ستقبل الرحيل .. سيتم نقلك واحتجازك في حصن (تيونا) مؤقتاً حتى نقرر مصيرك ..
هيا .. تحرك ..
تحرك (شافيز) ببطء بينما أحاطه الجنود من كل اتجاه .. كان عقله يدور فيه سؤال واحد :
متى بدأ كل هذا حقاً ؟

***

فنزويلا – 1974

نهض (كارلوس بيريز) رئيس فنزويلا ليستقبل (نيلسون روكفيلر) نائب الرئيس الأمريكي الجديد والشبيه للغاية بهنري كيسنجر بنظارته ووجهه المربعين وشعره المصفف بعناية ..
تبادلا تحية حارة ثم تحركا نحو أفخم صالونات قصر الرئاسة الفنزويلي (ميرافلوريس) الفخم .. هناك جلس كل منهم محاطاً بمجموعة من الوزراء ..
كعادته ابتدأ (روكفيلر) الحديث واضعاً احدى قدميه فوق الأخرى باسترخاء :
– سيادة الرئيس (بيريز) .. نحن في أميركا كنا دائماً متابعين لنشاطك كرئيس جديد لفنزويلا تسعى لرفاهية شعبها عن طريق عائدات البترول ..
هز (بيريز) رأسه موافقاً وقال في حماس :
– ان برنامجي الانتخابي قام أساساً على بناء الدولة بعائدات البترول ..
أنزل (روكفيلر) قدمه وانحنى للأمام قائلاً بابتسامة صغيرة على ركن فمه :
– لكن الصعوبات واجهتك يا سيدي .. العائد الحالي غير كاف .. نحن نعلم هذا أيضاً !
قال (بيريز) وقد ظهر بعض الضيق على وجهه :
– للأسف هذه حقيقة .. اننا بحاجة الى صديق عالمي كبير كي يهتم بنا ..
بلهجة منتصرة قال (روكفلر) :
– لهذا جئناك .. اميركا ستكون صديقك الوفي .. سنقوم بمساعدتك في خططك الطموحه وسنجعل من فنزويلا البديل الأساسي الحقيقي للعرب بالنسبة لنا ..
التمعت عينا ( بيريز) في سعادة واخفى مشاعره قدر الامكان وهو يقول :
– فنزويلا لديها احتياطي هائل يا سيد (روكفلر) ويسعدنا أن نكون أصدقاء .. سنمدكم بكل ما تحتاجون اليه من بترول لصالح شعبي .. وصدقني أنا تابعت أزمة قطع العرب للبترول عنكم والتي حدثت في حرب يوم كيبور 1973 .. ولطالما سائلت نفسي لماذا لا ينتبه أصدقاؤنا الأميركان الى محبيهم في فنزويلا ؟!
هز (روكفلر) رأسه موافقاً وهو يقول مشمئزاً :
– ان الهزة التي أصابت امتنا من غدر العرب بنا وتكتلهم مع بعضهم البعض لن ننساها .. وسنعمل ألا تتكرر وحدتهم هذه ولا تحكمهم في مصادرهم الطبيعية مرة أخرى ..
ثم نظر الى (بيريز) مكملاً :
– وبعون أصدقاء جدد أغنياء بالبترول مثل فنزويلا سنتلافى أي تكرار لهذه الكارثة ..
تدخل رئيس وزراء فنزويلا في الحوار قائلاً في برود :
– حسناً .. وما الثمن يا سيد (روكفلر) ؟
ظهرت بعض معالم الاستنكار على وجه روكفلر ومرافقيه فقال (كارلوس بيريز) مبتسماً :
– نحن لسنا سذج هنا يا سيد (روكفلر) .. بالتأكيد هناك مقابل لنا ومقابل لكم .. ستنهض فنزويلا مقابل أن تصبح صمام الأمان لنظامكم الأمريكي .. فكيف ستتوزع الأرباح بيننا ؟
تراجع (روكفلر) الى الوراء وتبادل نظرة مع أحد مرافقيه ثم قال :
– ستحصلون على كل المال الذي تحتاجونه .. لكنكم ستتبنون اقتصاد السوق الأمريكي وستفتحون أسواقكم لنا ولشركاتنا .. وسيكون لنا نسبة معقولة من شركة البترول الوطنية ..
تلاشت الابتسامة من على وجه (بيريز) وهو يقول :
– لكن .. انتم بهذا ستتدخلون في أعماق دولتنا .. ستكون هناك نخبة اقتصادية مرتبطة بكم تماماً ولن تدور الا في فلك مصلحتكم فقط !
أجاب (روكفلر) :
– بل ببعض المهارة ستصبح مصلحة دولتينا واحدة .. صدقني ان الازدهار الذي سيحدث لشعبك لن يصدقه أحد .. ستصبحون نموذجاً لدولة خرجت من الفقر الى الثراء الهائل بحسن استغلال مصادر البترول عن طريق صديقكم الأمريكي الوفي .. أنت قلت بنفسك أنك لن تنهض الا بمساعدة صديق عالمي كبير .. فهل لديكم أفضل منا ؟
وصمت لثوان قبل أن يكمل بنبرة خاصة :
– ان أحد المأفونين من (كوبا) اعتقد يوماً أن السوفيت أفضل منا .. فانظر اليه الآن وهو محاصر مع شعبه ولم يزدهم السوفيت الا بؤساً !
تنهد (كارلوس بيريز) ونهض قائلاً :
سأطلب منكم الانتظار.. سأقوم بعقد عدة اجتماعات مع وزرائي وحكومتي وسأبلغكم بقراري النهائي مساء اليوم ..

***

في العاشرة مساءً دخل (روكفلر) وحده على (كارلوس بيريز) في مكتبه .. في ترحيب وقف (بيريز) هاتفاً :
– صديقي (روكفلر) .. منذ الآن دولتينا ستصبحان أصدقاء .. لقد وافقنا على معاهدة الصداقة ..
ابتسم (روكفلر) في سعادة وتقدم الى (بيريز) يصافحه في حميمة قائلاً في ثقة :
– صدقني يا سيدي الرئيس .. مع أمريكا سيأتي عام 2000 و (فنزويلا) لا يوجد فيها سوى الأغنياء فقط ..
وهذا وعد ..

2

فنزويلا – نوفمبر 2001

تأمل رجل الاعمال الفنزويلي الشاب (روبن آروخا) القاعة الفخمة الهائلة التي يجلس فيها على احدى الموائد المزدانة بالفواكه والمرطبات ..
في مقدمة المكان كانت هناك منصة جلس عليها أساطين رجال المال في فنزويلا .. خلفهم طبعاً الشعار الشهير للفيديكامراس .. وهي اختصار لاتحاد الغرف التجارية الفنزويلية .. وبصورة أكثر وضوحاً : الفيديكامراس تضم مالكو البنوك ، الزراعة ، صناعات الطاقة ، الصناعات الثقيلة ، الاتصالات ، مقاولوا العقارات والانشاءات ، السياحة ، التعدين ، المواصلات ، الاعلام .. وغيرهم !
بالطبع الجالسون على المنصة هم نخبة النخبة ، و (روبن) مازال طفلاً صغيراً أمام هؤلاء الحيتان الضخمة .. لكنه برغم ذلك سعيد بالانضمام اليهم في هذا السن الصغير ، بفضل ثروة والده الزراعية الضخمة التي ورثها منذ شهور قليلة ..
يعرف بالطبع سبب الاجتماع ، انه (شافيز) اللعين مرة أخرى ، لكن ما الجديد هذه المرة ؟!
لم يكد ينتهي من التساؤل حتى وجد (بدرو كارمونا) رجل الأعمال الأصلع العجوز ، ورئيس الفيديكامراس ، يتقدم نحو منصة الخطابة ..
دوى تصفيق شديد فرفع (كارمونا) يده محيياً وهو يبتسم .. وقف يلقي بعض كلمات التحية المقتضبة .. ثم فجأة انطفأ نور القاعة وظهر ضوء بروجكتور يعرض صورة (شافيز) على شاشة قماشية في صدر المكان ..
وسط صفارات الاستهجان المعادية قال (كارمونا) :
– شافيز .. كلكم تكرهونه .. أعرف هذا تماماً .. لكن ما الجديد ؟
تغيرت الصورة لتظهر طوابير طويلة من الفنزويليين الفقراء فأكمل قائلاً :
– الجديد أنه بانتخابه لولاية جديدة ، عن طريق استغلال الفقراء والجهلة من أهل فنزويلا ، زاد من شراسته ضدنا .. لقد أذاقنا الكثير من المر في ولايته الأولى .. قام بتقطيع الملكيات الزراعية الكبيرة ، قام باعادة توزيع أرباح البترول وأخيراً قام بتخفيض أسعار الغذاء بصورة مبالغ فيها .. على حساب من يقوم هذا اللعين باكتساب شعبية ؟
تصاعدت الأصوات الغاضبة فأكمل (كارمونا) في عصبية :
– على حسابنا نحن ! بعرقنا وتعبنا نحن ! هل هذا معقول ؟ انه تجاوز كل الحدود في ولايته الأولى وواجهناه بقصف اعلامي مركز ، لكن كل هذا لم يستطع افقاده الشعبية التي اكتسبها ، الدرس الذي تعلمناه هو : أي رئيس يجعل الفقراء يشعرون بالتغير السريع لا سبيل لمجابهته وتشويهه اعلامياً على الاطلاق مادام أغلب الشعب من هذه الطبقة !
هكذا فوجئنا باللعين يقوم الشعب بانتخابه مرة أخرى برغم التشويه الاعلامي الرهيب الذي وجهناه نحوه ..
لكن ..
هل نستسلم ؟ وهل يتوقف ؟

صمت قليلاً ليراقب رد الفعل الغاضب الرافض للاستسلام ، فأكمل وهو يشير الى صورة جديدة على الحائط تظهر مصنعاً عملاقاً للبترول :
– الغبي لم يتوقف .. هاهو يتحرك من جديد فيصدر حزمة من 49 قانوناً تضربنا في مقتل ، انها تنقلنا بالفعل الى حقبة أكثر انحيازاً للحثالة و أكثر ايلاماً لنخبة البلد وعظماءها .. انه يتحرك هذه المرة نحو شركة (بترول فنزويلا) الوطنية .. يريد احكام قبضة الحكومة عليها أكثر وأكثر واضعاف قبضتنا عليها بصورة أشد ..
وتغيرت الصورة لتظهر مجموعة من شعارات شركات البترول الأمريكية الكبرى العاملة في فنزويلا فقال :
– وها قد ارتكب غلطة العمر .. انه يتحرك نحو ضرب شركات أمريكا العاملة في فنزويلا .. لقد قام الأمريكان بمساندتنا كثيراً طوال الفترة الماضية بسبب ارتباطنا الأبدي معهم بكل تأكيد ، لكنهم لم يوافقوا على اطلاق أيدينا الى المدى الأبعد بسبب شعبيته الكبيرة وانتخابه ديمقراطياً ..
ثم أشار باصابعه في انتصار هاتفاً :
– الآن قد جاءتنا الفرصة .. ان الولايات المتحدة توافق على الديمقراطية مالم تمس مصلحتها ، أما ان مسستها بشعرة فهي تسحقك بسرعة وبلا مبالاة .
فهل هناك مساس بمصلحتها أكبر من تهديد أحد أكبر مصادر البترول لديها على الاطلاق منذ السبعينات ؟
تصاعد صوت من القاعة المظلمة متسائلاً في حيرة :
– حتى لو دعمتنا الولايات المتحدة .. كيف يمكننا اسقاطه سلمياً وهناك أفرع كثيرة في الجيش تحبه وتدعمه ؟
ابتسم (كارمونا) وقام بتغيير الشريحه لتظهر قاض فنزويلي ضخم وقال :
– سنسقطه على عدة مراحل بالطبع ..
المرحلة الأولى .. اشغاله بمعارك وهمية كبرى تشوه سمعته في الداخل و الخارج .. وسيلتنا : القضاء .

***

(هل شافيز مجنون؟)
وقف الأمريكي ذو الأصول الفنزويلية (آنخيلو بينا) يطالع عنوان جريدة النيوزويك مندهشاً ، هذه من المرات النادرة التي تكتب فيها النيوزويك عن فنزويلا !
قام بشراء الجريدة فوراً وجلس في أقرب حديقة يطالع المقال ..
كان المقال يتحدث عن تلك القضية التي رفعها مجموعة من المحامين في فنزويلا أمام المحكمة الدستورية العليا ، والتي يطالبون فيها بعزل (شافيز) لأنه مصاب بتخلف عقلي !
راحت الجريدة الأمريكية تستعرض حجج هؤلاء المحامين الغريبة ، لكن محرر المجلة جعلها قوية للغاية بوضع رأيه الشخصي في أفعال (شافيز) .. هناك محلل نفسي أمريكي كبير يؤكد صحة هذا الكلام .. وهناك طبيب أعصاب عالمي يؤكده ! ان شافيز بالفعل مجنون أيها الأمريكان ، ومن حق المحكمة الدستورية العليا عزله فوراً !
أغلق ( آنخيلو) الجريدة في ضيق .. كان في رأسه ألف سؤال وسؤال .. في اليوم التالي وجد أغلب الصحف الأمريكية تستضيف الأطباء ليؤكدوا على خطورة جنون شافيز .. الأخبار القادمة من فنزويلا كلها تصب في اتجاه واحد ! الاعلام الامريكي فجأة تذكر أن هناك دولة اسمها فنزويلا برغم أن (آنخيلو) قضى أغلب اقامته في أمريكا يتلقى السخرية المعهودة على اسم بلده وموقعها !
في العمل وجد اهتماماً وتعاطفاً من زملاءه وهم يطالعون تقرير السي ان ان الذي يظهر مقدار الغضب الشعبي الضخم على (شافيز) لأنه مجنون ! الأمر بالنسبة للأمريكان أصبح مؤكداً ! الاعلام الفنزويلي الخاص كله يصف (شافيز) بالمعتوه ويرجوا (الدستورية العليا) أن تفصل بسرعة في هذه القضية المصيرية .. عشرات من رجال الأعمال الفنزويليين وجهوا مذيعيهم لأمريكا كي يشرحوا للأمريكان مدى المعاناة التي يعانونها تحت حكم هذا الطاغية المجنون !
صمت (شافيز) ولم يرد على هذا التطاول .. راح يعمل من أجل تمرير قوانين احكام قبضة الدولة على البترول بصورة أكبر .. ذهب في الاصطدام مع رجال الأعمال وأمريكا حتى النهاية ..
ثبتت الصورة الذهنية عند كل الأمريكان أن شافيز مجنون برغم انتخابه بصورة ديمقراطية حرة ، وانشغل الشعب الفنزويلي بين مقتنع بجنون شافيز ، ومدافع عنه حتى الموت ..

***

تغيرت صورة البروجكتور لتظهر مجموعة صغيرة من العمال الفنزويليين في تظاهرة محدودة ، قال (كارمونا) وهو يشير الى الشاشة :
– المرحلة الثانية .. التجميع المتدرج .. وسيلتنا : الاضرابات العمالية البسيطة ..

***

تجمع بضع عشرات من عمال شركة (بترول فنزويلا) الوطنية .. لقد علموا بالأمس فقط أن احكام قبضة الدولة على شركتهم ورحيل رجال الأعمال يعني تخفيض أجورهم .. تجمعوا في غضب أمام الشركة .. حفزوا زملائهم على الاضراب .. ان المرتبات الضخمة ستضيع .. شافيز سيجعلنا شحاذين مثل الشعب برغم أننا نخبة العمال .. لابد أن نتوحد ضد شافيز ..
على بعد بضعة كيلومترات في شركة أخرى بدأ اضراب آخر .. شافيز اللعين لا يريد رفع أجور هذه الشركة .. شافيز لا يقوم بمساواتنا بباقي الشركات .. تباً لشافيز ان لم يوفر لنا مطالبنا ..
مرت الأيام .. بعض النقابات بدأت تتحرك بايعاز من رجال ( الفيديكامراس ) .. تباً لشافيز الشيوعي الذي يريد أخذ كل المال للدولة ولا يعطينا أي شئ .. أين حقوق العمال يا (شافيز) ؟
بدأت التظاهرات تزداد يوماً وراء الآخر .. الاعلام الخاص المملوك للفيديكامراس راح يصرخ ناقلاً بكاء العمال واحتجاجاتهم .. اهل فنزويلا كلهم بدأوا يشعرون بالتوتر والقلق .. نعم الاحتجاجات ضعيفة ومتفرقة بلا تنظيم حتى الآن لكنها تظهر حالة من انعدام الكفاءة لشافيز الذي يتجاهل أكثرها .. أضف هذا لقضية جنونه المنظورة أمام المحكمة الدستورية العليا لتعرف مقدار البلبلة التي أصابت الناس ..

***

غير (كارمونا) شريحة البروجكتور ليظهر تظاهرة هائلة في شوارع كاراكاس .. قال معلقاً عليها :
– الاضراب الموحد الكبير .. هذا هو المرحلة الثالثة .. اضراب هائل يجمع العمال كلهم ويبدأ في ملئ شوارع كاراكاس ..

***

في ديسمبر توحدت الاضرابات كلها فجأة !
المدارس أعلنت الاضراب .. ارحلوا يا أطفال .. لا تعليم ..
المستشفيات أعلنت الاضراب .. لا صحة ..
القنوات الخاصة الكثيرة والمتشعبة قطعت عرض الافلام والبرامج كلها وعرضت بثاً حياً مستمراً لعشرات الآلاف من المضربين ..
عمال شركة (بترول فنزويلا) أعلنوا بأكملهم الاضراب ومعهم عمال عشرات المصانع والشركات والزراعات الأخرى ..
الصحف الخاصة كلها حجبت نفسها عن الظهور !
بدأ الاضراب الهائل الكبير في فنزويلا .. ومعه بدأ (شافيز) يزداد عصبية .. بدأ يدرك بأن هناك مؤامرة كبرى ..
لكن كيف يقوم بايقافها بلا مذبحة ؟

***
خمسة أشهر !
خمسة أشهر من الاضراب العام!
في ابريل أصيب (شافيز) بالجنون .. عمال الحكومة يعصون أوامره والاضراب ضخم للغاية .. قام بفصل العديد من رؤساء شركة (بترول فنزويلا) المحرضين على الاضراب والذين اعتبرهم أساس الاضراب العام .. قام باخراج قناة تلفزيونية حكومية تنقل للناس أن البلد هادئة وليست كلها اضرابات كما تصور القنوات الخاصة التي نقلت الاعتصامات والاضرابات الهائلة على مدار اليوم طوال أكثر من مائة وثلاثون يوماً ليلاً ونهاراً !
لكن حتى القناة الحكومية لم يمر عليها يوم واحد قبل أن تقسم الشاشة الى نصفين .. نصف للحكومة وتصريحاتها ونصف لعرض الاضراب !
بدأ شافيز يصاب بحالة من الانهيار .. لقد فقد التحكم حتى في القنوات الحكومية التي كانت تعادية خفية طوال الوقت .. مؤامرة الفيديكامراس فاقت الحدود هذه المرة ..

***

في الشريحة الأخيرة قام (كارمونا) بعرض صورة القصر الرئاسي (ميرافلوريس) .. قال وعلى وجهه ابتسامة انتصار :
– الخطوة قبل الأخيرة .. تحرك مليوني نحو الميرافلوريس وحصاره بمطلب واحد .. شافيز لابد أن يرحل .. أصدقاؤنا في الجيش الذين يدعمونا سراً سيضغطون من أجل حل واحد فقط ..
ثم أشار بيده علامة الذبح وهو يقول :
– التخلص من (شافيز) ..

***

تحرك (كارمونا) بداخل قصر الميرافلوريس وسط حراسة عشرات من جنود الجيش الى حيث اصطفت عشرات القنوات التلفيزيونية .. وقف أمام الكاميرات من كل الجنسيات وخاصة الأمريكية السعيدة قائلاً :
– لقد رحل الطاغية شافيز .. الجيش قام بوضعه تحت التحفظ يا أهل فنزويلا العظام .. مستقبل ملئ بالرخاء في انتظاركم .. وقد قبلت – تحت الضغوط – هذه المسئولية العظيمة التي كلفني بها ثوار فنزويلا العظام : رئاسة الدولة !
ثم رفع (كارمونا) يده قائلاً :
– أقسم لكم أن أحفظ وحدة فنزويلا وشعبها ..
وأن أكون خير رئيس يمثل الثورة والثوار ..

3

راح (شافيز) يدور في محبسه بحصن تيونا في توتر ..
لقد كان يعلم الخيوط العريضة للمؤامرة ، بل واستعد لها ببعض الاجراءات ، لكن الأحداث الأخيرة سارت بمعدل مجنون وسريع للغاية .. باغته بشدة سرعة استجابة قادة الجيش و تغير ولاؤهم للفيديكامراس بزعامة (بدرو كارمونا) ..
اقترب من النافذة ليلقي نظرة عابرة على مقدمة الحصن ، لكن عيناه اتسعتا واقترب أكثر ليدقق في تلك السيارة الفخمة التي وقفت امام البوابه ، وهرع اليها بعض قيادات الانقلاب بترحاب كبير ..
نزل من السيارة رجل يعرفه جيداً ، انه الملحق العسكري الأمريكي !
قابل الملحق العسكري ترحابهم بالتهنئة والضحكات الهائلة ثم اختفوا جميعاً بداخل الحصن !
الآن (شافيز) يمتلك الدليل على تورط الأمريكان .. طبعاً كان على يقين بتورطهم في هذا الانقلاب سراً لكن كعادة الأمريكان ، من شبه المستحيل أن تفهمهم ان بحثت عن الدليل المادي القوي ، فهم قد يدعموك علناً بكل قوة ، في حين تعمل أجهزتهم على هدم بنيان دولتك واستبدالك في أقرب فرصة تُبدي فيها معارضة !
لكنه الآن يملك الدليل .. أقسم أن يفضحهم ان تمكن من التحرر ..
جلس أمام التلفاز الذي سمحوا له به في محبسه ليشاهد أنباء تنصيب كارمونا .. الاعلام كله يحتفل بجنون .. رحل الطاغية .. رحل المجنون ..
برغم ضيقه الشديد بدأ يلاحظ تلك اللهجة الغريبة التي يتحدث بها كافة رجال الدولة وقادة الجيش ..
انهم يؤكدون للشعب ومناصروا شافيز أنه استقال ، بدأوا يسربون كلاماً مفاده أنه منهار بشدة وأنه في حالة غريبة من الاحباط واليأس بسبب خذلانه لشعبه !
وقف (شافيز) مرة أخرى في قلق أشد ، من معرفته لعقول هؤلاء لم يكن من الصعب استنتاج النبأ القادم مساءً :
– شافيز انتحر من اليأس يا شعب فنزويلا العظيم !
اتجه فوراً الى باب الغرفة وطلب حارسه ، انه ظابط فنزويلي من الكوماندوز متعاطف معه بشدة ، لكنه لا يجروء طبعاً على مخالفة أوامر قيادته ..
في حزم قال له (شافيز) :
– فارجاس .. انني أدرك مقدار حبك لي وحجم الضغوط عليك .. لكني سأطلب منك طلباً واحداً فقط .. أريد التحدث الى ابنتي لدقيقة واحدة ..
التفت (فارجاس) حوله وهو يقول في حرج :
– سيدي العظيم .. ان هذا الأمر قد يكلفني حياتي ..
وضع (شافيز) يده على كتف (فارجاس) قائلاً :
– انهم سيقتلوني الليلة يا (فارجاس) .. لا تُصدق كلامهم اليك أنهم سيكتفون بنقلي وحبسي في اللاروشا .. بل سيقتلوني هنا .. انه الأمر الأخير لي يا فارجاس ..
تطلع (فارجاس) الى عيني (شافيز) في ذعر وبدا أن هناك صراعاً هائلاً بداخله ، قبل أن يحسم أمره في النهاية قائلاً في صرامة :
– أقسم أن لا يمسك أحدهم يا رئيسي .. سأجيئك بالهاتف كما أمرت ..
لم تكد تمر دقائق حتى كان (شافيز) جالساً يحدث ابنته ، في عجاله وبصرامة بالغة قال لها :
– ابنتي الحبيبة ، انشري هذا الخبر بكل قوتك الى الجميع :
شافيز لم يستقل .. شافيز محبوس وينتظر شعبه ليحرره ..

***

بكى (خوان جويرا) من القهر طوال اليوم تقريباً !
انه فقير كأغلب ذوي الأصل الهندي من أهل فنزويلا ، ارتضى دور المشاهد طوال الفترة السابقة !
السادة ذوي الأصول الأسبانية هم من قادوا الاضراب ، هم من حركوا التظاهرات ، هم من كانوا في التظاهرات ، هم من حاصر القصر الجمهوري ، هم من أسقطوا الرئيس المنتخب ، هم من عينوا (كارمونا) عنوة !!
لقد سقط حلم الفقراء .. سقط شافيز الذي انحاز لهم وحارب من أجل حقوقهم طوال الفترة الماضية ، انتهى كحلم جميل مر بسرعة البرق !
(خوان جويرا) يعيش في حي فقير من أحياء كاراكاس .. الحي رائحته نتنه والسيدات البدينات جالسات متراصات في الشوارع أغلب اليوم ينتظرن أزواجهن الذين يعملون طوال حياتهم من أجل لا شئ سوى قليل من الطعام لأطفالهم !
الشاب (خوان جويرا) كان يحلم بمستقبل أفضل .. أجل زواجه وأجل كل شئ حتى تتحقق وعود (شافيز) وينتهي من معركته القاسيه مع رجال الفيديكامراس ..
لكن كل هذا انتهى في لحظة مجنونة من التاريخ !
قبل الظهر سمع ضجة هائلة من خارج شرفة منزله الخشبي المتواضع ، أخرج رأسه فوجد مجموعة ضخمة من الشباب تصرخ في وسط الشارع ، كان فيهم (ميجيل ميا فيتالي) وهو صديق فقير له كان يعمل بتجارة المخدرات ويأمل في الاقلاع عنها بعدما يوفر له شافيز فرصة عمل .. كان شافيز بالنسبة له هو الحلم .. لقد انتهى (ميا فيتالي) هو الآخر ..
لمحه (ميا فيتالي) فصرخ بعصبية :
– لا تبك مثل النساء يا (خوان) .. شافيز لم يقدم استقالته .. هكذا وصلتنا الأخبار .. سنتحرك الآن نحو الميرافلوريس .. ولنذهب كلنا الى الجحيم ان لم نقم باعادة (شافيز) الى كرسيه !
قفز (خوان) من سريره الى الشارع بقفزة واحدة ، كانت أمه واقفة تراقب الموقف لكنها امرأة شجاعة ، وجد في عينيها تصميم وهي تهتف له بقوة :
– أعد لنا (شافيز) يا (خوان) .. لن نسمح لهؤلاء الملاعين باضاعة رجل اخترناه وانحاز الينا ..
تحرك (خوان) معهم .. في الطريق الرئيسي وجد مئات الآلاف أغلبهم من الفقراء والهنود .. يسقط كارمونا .. فيفا شافيز ..
امتلأت روحه بالحماسة .. نعم .. فيفا شافيز .. يسقط كارمونا ..
الى الميرافلوريس ..

***

عندما وصل (خوان) كانت الاشتباكات قد اشتعلت بالفعل ..
أنصار المعارضة رفضوا افساح المجال لمحبي (شافيز) كي يدخلوا الى الطريق المؤدي للقصر ، والشرطة واقفة تحميهم وان ادعت الحياد ..
بدأت الشرطة تستعمل القوة .. هناك حالة من الهرج والمرج سادت الجميع ، اللعنة على الشرطة ، سريعة جداً في تغيير ولاءها لصالح أي حاكم ظالم طاغية ، وبطيئة في تقدير أي حاكم عادل !
كانت الاشتباكات في البداية بالهراوات ، لكن اصرار مؤيدي (شافيز) واستخدامهم الضرب جعل الشرطة تطلق بضعة أعيرة نارية في الهواء ..
تراجع الأغلبية وصعد جزء هائل فوق كوبري يطل على أنصار المعارضة .. كان (خوان) فوق الكوبري مع (ميا فيتالي) الذي وصلت حماسته للذروة .. اشتعل اللهيب في جوانج الجميع .. اليوم نموت ولن يحكم الكلاب ..
كان هناك تراشق بالطوب وأشياء أخرى .. اشتباكات بين الفريقين والشرطة مع الفريق المعارض تدعي حمايته لكنها تضرب في اتجاه واحد فقط : أنصار شافيز .. لاحظ البعض أن الشرطة بدأت تصوب على الأقدام !
أثناء الضرب فوجئ (خوان) بـ (ميا فيتالي) يخرج مسدساً اخفاه طيلة الوقت !
اتسعت عينا (خوان) في ذعر .. الأمر سيتجه نحو مذبحة كبرى ..
لكنه لم يملك التحدث في وسط هذا الهياج العصبي المسيطر على الجميع ، بل ظهرت بضع مسدسات في يد قلة من أنصار (شافيز) .. راحوا يطلقونها في الهواء لارهاب الشرطة ..
ما لم يعلمه ( خوان) هو أن كل اعلام (فنزويلا) الذي ينقل المشاهد الحية لهذا الصراع وضع الكاميرات في اتجاه واحد فقط : أنصار شافيز !
وما ان بدأ ظهور المسدسات حتى التهبت خدود المذيعات والمذيعين من اللطم والصراخ والبكاء على وحشية أنصار شافيز المسلحين !
لكن الطلقات العشوائية بدأت تدوي من فوق الكوبري نحو المعارضة .. بينما المعارضة هي الأخرى أطلقت بعض الطلقات العشوائية للارهاب ..
لم يمر وقت طويل في هذا المشهد ، حتى سقط (ميا فيتالي) مضرجاً في دمائه .. ركض (خوان) نحوه في هلع ووضع رأسه على ركبته وهو يبكي .. لم يكن من الممكن اسعاف (ميا فيتالي) .. فقد جاءته الرصاصة في يا فوخه مباشرة !
رفع ثلاثة من زملاء (ميا فيتالي) رؤسهم قائلين في غيظ :
– قناصة .. هذه قناصة الشرطة أو الجيش .. لقد سقط ثلاثة منا بنفس الطلقات في المخ !
تلعثم (خوان) وقال :
– لكن .. لكن ماذا نفعل ؟ أين هم وكيف نوقفهم؟
نهض زملاء (فيتالي) هاتفين في قوة :
– سنثأر لفيتالي بالطبع .. لن نعد أحياء !
وقف معهم (خوان) وقد امتلاء بالحماسة والقوة .. التقط مسدس (فيتالي) وهو يقول لنفسه في حزم :
– ألف لعنة على ثائر يواجه الرصاص بالصراخ والشكوى والاحتجاج !
اتجه فوراً نحو الخطوط الأمامية ، كانت تفاهمات الثوار من محبي شافيز ألا يقتلوا أحداً من المعارضة ، ان هي الا رصاصات ارهاب فقط .. وعلى ما يبدوا أن هذا كان نفس حال ثوار المعارضة .. لأن رصاصاتهم كانت بقصد الارهاب أكثر منها بقصد القتل ..
راح الطلقات تدوي من الجانبين ، سقط البعض أحياناً لكنها كانت من رصاصات خاطئة ، أحياناً كان (خوان) يشعر بأن زملاءه يتألمون لسقوط قتيل من الجهة الأخرى بالخطأ وبودهم لو اعتذروا .. ولم يخالجه شك بأن الجهة الأخرى تحمل نفس المشاعر .. كلنا مخطئون فيما نفعله .. لكن التراجع أصبح مستحيلاً .. أحدنا لابد أن يقضي على الآخر ..
بدأ المعارضون في التراجع .. أنصار شافيز بدأوا في التقدم لحصار القصر .. يبدوا أنهم سينتصرون في النهاية بسبب الفدائية المبالغ فيها وأصولهم الفقيرة التي لا تجد شيئاً تبكي عليه ..
مع توالي القتلى برصاصات تخترق الأدمغة بدأ (خوان) يلاحظ على الجهة الأخرى أمراً خطيراً :
هناك عدد أكبر منهم يسقط – أيضاً – بطلقات في الأدمغة !
ان قناصة الشرطة أو الجيش تصطاد من الجهة الأخرى أيضاً !
اللعنة !
ما معنى هذا ؟!

***

الملازم (هيرمو بالومينو) يشعر بالتوتر !
منذ تم تكليفه بتأمين هذا الجزء من قصر الميرافلوريس بالأمس ، أي منذ بداية الانقلاب ، وهو يشعر بأن هناك شئ ما غير طبيعي !
هناك أصوات آتية من تحت الأرض ، خافتة نعم ، من الصعب جداً سماعها هذا أكيد .. لكنها موجودة !
في النهاية حزم (هيرمو) أمره واتجه نحو أحد حراس المكان القدامى .. سأله في عصبية :
– هل هناك مدخل الى قبو سري تحت الأرض ؟
تراجع الحارس في ذعر دون أن يجيب ، فأخرج (هيرمو) مسدسه وقام بجذب الحارس بعنف ليضع فوهة المسدس تحت ذقنه وهو يقول في صرامة :
– سأعتبر صمتك هذا أبلغ اجابة ، الآن أيها الحقير ستدلني عليه والا قتلتك هنا فوراً .
هتف الحارس في ذعر :
– سأدلك عليه يا سيدي .. أقسم لك ..
دفعه (هيرمو) وهو يقول :
– هيا .. ارني الطريق ..
تحرك الحارس بسرعة مع (هيرمو) الشرس ، كان الحارس يعرف مقدار عنف هذا الملازم بالذات وعداوته الشديدة لشافيز ومحبيه منذ دخل القصر بالأمس .. لذا قام بتنفيذ الأوامر بلا تردد ..
وصل الاثنان الى لوحة جدارية كبرى ، قام الحارس بالوقوف جوارها وفتح باب سري .. دفعه (هيرمو) الى الداخل المظلم ونزل بضعة درجات وقد شهر مسدسه في تحفز ممسكاً بتلابيب الحارس دافعاً اياه أمامه ..
لم يكد يتحرك لثلاثة أمتار في الظلام حتى شعر بفوهة مسدس باردة تلتصق بقفاه .. وصوت صارم للغاية يأمره :
– بهدوء الآن .. ألق سلاحك بلا ضوضاء !
كاد (هيرمو) يقوم بحركة قتالية لكن الضوء عاد فجأة الى القبو السري المظلم ..
هنا اتسعت عيناه في ذعر هائل وألقى مسدسه بلا تردد ..

***

مهموماً جلس (بدرو كارمونا) على مقعد الرئاسة وحيداً في غرفة مكتب قصر ميرافلوريس ..
كانت حالته النفسيه في انحدار ، صوت طلقات الرصاص القادم من بعيد بين أبناء فنزويلا ، واصرار محبي شافيز على مساندته بأي ثمن ، واحتجاجاتهم الصارخة التي تهز أركان قصره ، ترافق مع ملاحظات غريبة بدأ يجدها (كارمونا) منذ القى القسم كرئيس لفنزويلا ..
ان هناك من قادة الجيش الذين ساندوه من أبدوا تبرماً ورفضاً لاختياره .. دارت مناقشات طويله بينهم نقلها له بعض جواسيسه مفادها شئ واحد : مادمنا قد قمنا بالانقلاب فلماذا نجعل هذا المدني يحكمنا ؟!
انها عقلية صاحب السلاح مرة أخرى .. مهما امتلكت من نفوذ وقوة ومال يا كارمونا يظل حامل السلاح هو صاحب الكلمة الأخيرة .. الجيش بدباباته وطائراته وصواريخه أكثر نفوذاً من كل مال الدنيا ان امتلكته .. ولا يوجد شئ يعادل عشرات الآلاف من الجنود المسلحين الأقوياء يتحركون باشارة واحدة منك بدون أي تردد وبلا أي مناقشة لاشارتك ، فأي مال في الدنيا يجعلك تشعر بمثل هذه القوة والسيطرة والامتلاك ؟
لهذا بدأوا يتبرمون من وجودك يا (كارمونا) .. قد يلجأوا لتصفيتك وتصفية شافيز وأخذ زمام الحكم في قبضتهم !
أليس هذا وارداً ؟
في وسط هذه المشاعر المضطربه رن جرس هاتف مكتبه ، رفع سماعة التليفون فوجد صوتاً عميقاً يقول في ثقة :
– اسمع يا (كارمونا) .. معك الجنرال (راؤول بادويل) .. سأعرض عليك عرضاً لا تستطيع رفضه ..
اعتصر (كارمونا) سماعة الهاتف في قلق ، بادويل معروف بولاؤه المطلق لشافيز .. لكن (كارمونا) معه باقي الجيش ..
أكمل (راؤول) بنفس الهدوء :
– أمامك الآن دقائق قليلة لمغادرة القصر ! أخبر مجموعة الجنرالات الحمقى أنهم تحت رحمتي تماماً .. لقد قمت بتوجيه عشرات الصواريخ في القواعد العسكرية الموجودة خارج العاصمة .. أتعرف ما وجهتها الآن ؟
الميرافلوريس نفسه !
في ذعر هائل وارتباك هتف (كارمونا) :
– مستحيل .. معي هنا قادة الـ ..
قاطعه (راؤول) في صرامة :
– لا تقاطعني أيها اللعين .. بل ما أقوله صادق تماماً .. أنت ومن معك تحت رحمتي تماماً .. بل أنت السجين بالفعل وليس شافيز .. تحت قصرك يوجد مئات من رجال الكوماندوز قمت باخفاءهم ليلة الانقلاب تحسباً لأي طارئ يحدث .. أخرت استخدامهم فقط حتى اللحظة المناسبة .. هل أدركت من السجين الآن ؟
قفز (كارمونا) من مقعده وفك ربطة عنقه وهو يشعر بحصار رهيب ، قال في ارتياع وهو يتصبب عرقاً :
– لكن .. هذا مستحيل !
ان معي قوات كوماندوز أيضاً تابعه للجنرالات الموالين .. سأقوم بعمل مذبحة صدقني .. يمكنني أن أؤكد لك انني سانتصر في النهاية .. قوات الحرس الجمهوري أيضاً يمكنها ..
دوت ضحكة هائلة من (راؤول) قبل أن يقول في قسوة :
– أحمق .. مغفل كبير .. انظر يا لعين الى ساحة القصر الآن ..
تحرك (كارمونا) بالهاتف نحو الشرفة فوجد المئات من قوات الحرس الجمهوري تجتاح الساحة ، كان (راؤول) يتابع بنفس اللهجة المتشفية :
– لقد انقلب الحرس الجمهوري ضدك .. واجتاح القصر من ممرات سرية بأسفله .. أنصحك يا أحمق بأن تهرب بأقصى سرعة .. ربما نحاكمك فيما بعد وربما نعفو عنك .. لكن هؤلاء ان رأوك ذبحوك بلا تردد !
ألقى (كارمونا) سماعة الهاتف مذعوراً .. انطلق راكضاً الى خارج الغرفة فوجد كل شركاؤه العسكريين ورجال الاعمال يهربون في هلع شديد من خلف القصر ..
راح يركض بسرعة الى أقرب سيارة دون أن يكلم أحد أو يكلمه أحد ..
الكل يريد النجاة ..
لقد انتصر شافيز بأعجوبة ..
وانهزم الفيديكامراس ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s