الرد على محمّد عبد المقصود ومعارضته لمن يريد تطبيق الشريعة فورا


محمّـــــد عبــــد المقصـــــود
ومعارضته لمن يريد تطبيق الشريعة فورا

للشيخ
مدحت بن الحسن آل فراج
حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد جاء على لسان الداعية الدكتور محمد بن عبد المقصود : ( ليس هناك من قال سيطبق الشريعة فوراً . ولو قال سأطبق الشريعة فوراً لعارضناه في هذا، ولأبينا هذا الأمر – ثم علل ذلك قائلاً يريد أن يفجر البلد، وأن يأتي بشيء لم يأت به الأولون ) جاء هذا علي شريط صوت وصورة للرجل في اليوتيوب تحت عنوان (أي مرشح سيطبق الشريعة فوراً سيفجر البلد). ورابطه:
http://www.youtube.com/watch?v=rXUZO258u-w

ولنا مع هذا الكلام المعوج والغير منضبط بقواعد وقيود الشرع وقفات:

الوقفة الأولى

( معنى الشريعة )

هل تعلم يا ابن عبد المقصود ماهية الشريعة حتى تتسابق في إباء ومعارضة من يريد تطبيقها فوراً ؟؟
الشريعة هي الملة والدين المتوارث عن كافة النبيين صلوات الله عليهم وسلم أجمعين قال الله تعالى لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم:
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِين) (الجاثية 18-19(

وسورة الجاثية سورة مكية نزلت في وقت الاستضعاف المحض وقبل الإذن بالجهاد بالكلية، ومع ذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين باتباع الشريعة الربانية فورا لأنها الشارع الوحيد الموصل إلى الاستمساك بأصل الدين القائم على إفراد الله بالعبادة مع البراءة من الشرك والمشركين. ولا يخفى أن العصر المكي لم يكن فيه للمسلمين دولة ولا للمؤمنين منعة إضافة إلى تربص كفار قريش بهم ليستأصلوا شأفتهم، ومع كل هذا كان الأمر واضحا: وجوب إفراد الشريعة بالاتباع مع البعد التام والرفض المطلق لأي أمر خالفها.
فالشريعة التي ستقف في وجه من يريد تطبيقها فوراً هي الدين والملة وجملة العقائد والأوامر والنواهي وهي كل ما أوحى الله لنبيه من أخبار وأحكام ليستوي من استمسك بها على الصراط المستقيم.
قال علامة الأمة ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: ( الشريعة إنما هى كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة فى العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات) (مجموع الفتاوى)
وقال أيضا:( الشريعة هي الأمر والنهي والحلال والحرام والفرائض والحدود والسنن والأحكام ) (مجموع الفتاوى)
وقال الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى – مبينا أن الشريعة هي الوحي: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) أي اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام القرطبي-رحمه الله تعالى- : ( فالشريعة ما شرع الله لعبادة من الدين… فمعنى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق ) ( تفسير القرطبي )
وقال الإمام الطبري إمام المفسرين –رحمه الله تعالى- في بيان أن الشريعة هي الملة والدين :
عن قتادة قوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) والشريعة : الفرائض والحدود والأمر والنهي فاتبعها. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) قال ابن زيد في قوله ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) قال : الشريعة الدين وقرأ ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) قال : فنوح أولهم وأنت آخرهم .(تفسير الطبري)
فهل بعد هذا البيان ستظل واقفا ضد كل من يريد تطبيق الشريعة فوراً ؟
***

الوقفة الثانية

( ضد الشريعة الأهواء وآراء الرجال )

أمر الله تعالى باتباع الشريعة الربانية ونهى عن اتباع الأهواء وآراء الرجال التي هي مادة الشرائع الوضعية .
فالقسمة ثنائية: إما اتباع الشريعة الربانية المنبثقة عن الحكمة والعلم والعدل الرباني وإما اتباع الأهواء المنبثقة عن الجهل والظلم والسفه والطيش …
ثم يأتي محمد بن عبد المقصود ليعلن بجرأة عجيبة وتهور منقطع النظير بأنه سيعارض من يريد تطبيق الشريعة فوراً ويأبى طريقته فهل ستأمر إذا باتباع الأهواء والبدع والجهالات ؟
قال الإمام الرباني ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في بيان ما قلناه: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :(ثمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لايعلمون إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ )
فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون فأمر بالأول ونهى عن الثاني ) (إعلام الموقعين  1/47)
وقال شهيد تطبيق الشريعة ومزلزل عروش الطواغيت حيا وميتا سيد قطب – رحمه الله تعالى – :قال الله تعالى: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ..
وهكذا يتمحض الأمر . فإما شريعة الله . وإما أهواء الذين لا يعلمون . وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون!
والله سبحانه يحذر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، فهم لا يغنون عنه من الله شيئاً . وهم يتولون بعضهم بعضاً . وهم لا يملكون أن يضروه شيئاً حين يتولى بعضهم بعضاً، لأن الله هو مولاه ( في ظلال القرآن)
فهل تريد من المسلمين اتباع الشريعة أم اتباع الأهواء ؟

***
الوقفة الثالثة
(الدين عقيدة وشريعة)

من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان محله القلب والجوارح. فالقلب منوط به اعتقاد معنى الشهادتين قولا وعملا والجوارح منوط بها القيام بمقتضى عقيدة التوحيد وفق ضوابط وأحكام الشريعة فعلا وتركا. ولهذا كان من المستحيل أن يقوم للمسلمين دين بغير التزام وتطبيق الشريعة أفرادا وجماعات. ولذلك كان الحد الأدنى من الإسلام الذي يجب القيام به ليصح الانتساب للدين هو قبول حكم الله ورفض حكم ما سواه قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (40/يوسف). فإما عبادة الله وحده وإما الشرك والبدع والأهواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبنى على أصلين : أحدهما أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثانى أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ..) الآية وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (21/الشورى) فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب لا نعبده بالأمور المبتدعة ) ( مجموع الفتاوى)
وقال الإمام سيد قطب مبينا استحالة إقامة الدين بغير الالتزام بالشريعة وقبول أحكامها: (والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك . ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة .

فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي .. حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع .. وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا .. حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين .. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة . وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى، أو لأمة من الأمم، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة، إلى جانب العقيدة التي تنشىء التصور الصحيح للحياة، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله .. وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله . حيثما جاء دين من عند الله . لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة .)(في ظلال القرآن)
الحكم لله وحده والشريعة الربانية هي مجموع أحكامه وهي قانون المسلمين العام الوحيد المقدس وكل ما دونها من أحكام وقوانين فهي من شرائع الطواغيت والشياطين التي يجب على كل مسلم الكفر بها والبراءة من أهلها مهما صفق لها العلمانييون المرتدين والمنافقون المبانيون للملة.

قال الإمام الشامخ الشهيد عبد القادر عودة -رحمه الله تعالى-:( وحكم الدين الإسلامي: أنه لا قانون للمسلمين غير الشريعة، وأن الشريعة هي دستورهم وقانونهم الأساسي، وكل ما خالفها من القوانين الوضعية باطل سواء سمي دستوراً أو قانوناً أو لائحة أو قراراً أو أمراً أو غير ذلك من المسميات، التي لا تعترف بها الشريعة إلا إذا كانت موافقة لنصوصها وغير خارجة على مبادئها العامة وروحها.) ( التشريع الجنائي في الإسلام )
وبهذا يحق لنا أن نصرخ في وجه كل من ينادي بعدم تطبيق الشريعة فورا من أمثال ابن عبد المقصود وراشد الغنوشي ونظرائهما قائلين :كفوا آذاكم عن الإسلام والمسلمين فحجم المردود الهائل من الخسارة الجسيمة على الأمة جراء دعوتكم الخائبة لا يعلمها إلا الله المالك وحده لنواصي العباد فهل أنتم منتهون ؟
***

الوقفة الرابعة
( تقريرك بدعة مارقة من الشريعة )

اعلم يا ابن عبد المقصود هداني الله وإياك أن قولك وتقريرك مارق من الإسلام والشريعة مروق السهم من الرمية الذي خرج منها دون أن يتعلق منها بشئ فاتق الله وراجع نفسك واحذر من أن تفتح بابا للزندقة والبدع والمحدثات من حيث لا تشعر. فالسلف كانوا يعدون كل من خرج عن الشريعة في شئ واحد من أهل الأهواء فكيف بمن سيقف معارضا لمن يريد تطبيق الشريعة فورا .
قال علامة الأمة ابن تيمية😦 كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شئ من الدين من أهل الأهواء ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتر بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات (الاستقامة )
ألا ما أنصع هذا الكلام. نعم يا قوم لابد من الوقوف ضد وأمام كل من خرج عن الشريعة في أي شئ ولو كان من أعلم وأعبد الناس فهذا قانون عام لابد أن يكون شعارا لكل مسلم جاد في دينه. أما من سيقف ضد من يريد تطبيق الشريعة فهذا لون مختلف يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين .
***

الوقفة الخامسة
( شرعية الثورات في خطر )

لاشك أن ابن عبد المقصود إذا سئل لماذا لا يمكن تطبيق الشريعة؟ سيجيب فورا: للعجز.
فإذا كان كذلك فلماذا إذا باركت الخروج على الحكام الطواغيت وقوى الاستكبار؟
فإنك إذا سألت أحدهم لماذا لا تطبق الشريعة سيقول لك: سيف أمريكا والدول الغربية الصليبية مسلط على رقبتي فهو عاجز عن تطبيق الشريعة (زعموا)
ثم يأتي المحذور الثاني وهو اتهام الإسلاميين بأنهم يتاجرون بالدين وهم طلاب سلطة خرجوا على أناس لعدم تطبيقهم الشريعة فلما قاموا مكانهم فعلوا مثل فعلهم فحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من سيقف ضد تطبيق شريعة المسلمين وكل من يكون سببا للنيل من الموحدين المجاهدين في سبيل الله وتشويه سمعتهم.
ويا فرح العلمانيين والليبراليين بهذه الدعوة الموتورة، فهم ينادون بما ناديت به-لكن من غير فورا- ولا شك أن دعوتك خطوة من خطوات طريقهم المشؤوم ولبنة من لبنات بنائهم الهدام للإسلام ولزبدة الرسالات.
***

الوقفة السادسة
( التناقض المحض )

لا شك أن التناقض والتضارب من أدل الدلالات على بطلان الكلام والتقريرات قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82/النساء) فالكلام المتناقض ليس من عند الله.
ونقول لابن عبد المقصود: وقوفك ضد من سيطبق الشريعة فورا هل عليه دليل من الشريعة ؟ فإن قال : لا فقد أقر على نفسه ودعوته بالبطلان. وإن قال : نعم فقد وقع في التناقض لأنه يريد أن يقف ضد من يطبق الشريعة فورا باسم الشريعة وهل الشريعة تأمر بعدم تطبيقها ؟
ثم هو يقول أنا اتبع الشريعة في عدم تطبيق الشريعة فإن كان قولك نابعا من الشريعة فلماذا أنت واقف ضد تطبيقها فورا ؟!!
ولو هدي لقال بما قال به الأولون من النبيين والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين: بوجوب تطبيق الشريعة فورا وأن الشريعة وحدها كفيلة بما فيها من الحكم والعلل والأسرار الربانية بحفظ دين الناس على وفق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم فالشريعة قد تأمرك في وقت ما لسبب ما بعدم تطبيق حد ما من حدود الله لأن (الحدود ) مثلا: تدرأ بالشبهات أو لضرورة ما ألمت بالناس أو لأن شروط تطبيق الحد لم تتوفر أو موانع إقامته لم تنتف.

فعند ذلك لا نقيم الحد لأن الشرع حكم بهذا ولا يمكن أن تتجاوز حد الشريعة في شيء أبداً ماحيينا (هذا شعار المسلم الصادق اليوم ولوائه الذي يرفعه بيده ويسير تحت ظله).
فعلى سبيل المثال كان في وقت الاستضعاف يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم في حق الكفار والمنافيين بقول الله تعالى (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) الآية .. الأحزاب /48
فلما حصلت المنعة والقوة خوطب صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) التوبة /73 فإذا عاد الضعف للمسلمين عملوا بآية الأحزاب وإذا رجعت إليهم القوة والمنعة عملوا بآية التوبة وفي كلا الحالين هم مطبقون للشريعة الإسلامية ولحكم الله الواحد القهار.
قال ابن تيمية في هذا المعنى :(فحيث ما كان للمنافق ظهور وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية (دَعْ أَذَاهُمْ) (ا لأحزاب :48) كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) (التوبة : 73 ) (الصارم المسلول )
***

الوقفة السابعة
(تطبيق الشريعة فورا سيفجر البلد)

وهذا من أعظم وأخطر طوام تصريحه المشؤوم زعمه: أن تطبيق الشريعة فورا سيفجر البلد مع أن الشريعة نزلت لينعم من قام بها بالأمن والآمان والثبات والهداية في الدنيا والآخرة وبها يحوز العباد والبلاد شرف.
اسم الإسلام وصفته الغالية، ومن ثم تتحقق الغاية من الخلق والتكوين وعلة إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب القبلة. يا ابن عبد المقصود أين أنت من قوله تعالى😦 وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)/ سورة النساء
فالله وعد كل من فعل أوامره الخير والثبات على الدين بقوة مع عظيم الأجر والهداية، ثم تتوعد أنت من أراد فعل ما أمر الله به بالنار المحرقة التي ستلتهم الأخضر واليابس.
قال الإمام الشهيد سيد قطب في تفسيرها (إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية . إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر . وهذا الدين لم يجىء لهذه القلة القليلة . إنه جاء للناس جميعاً . والناس معادن، وألوان، وطبقات . من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف . وهذا الدين ييسر لهم جميعاً أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها .
وقتل النفس، والخروج من الديار .. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم . وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس؛ وأن ينكل عنها عامة الناس. بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات؛ وأن ينميها جميعاً ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض! ) ( في ظلال القرآن )
وقديما قال كفار قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فجر بلدهم بسبب تطبيقه لشريعة ربه التي هي وحيه المعصوم، فقالوا: فرق جماعتهم وكفر آباءهم وعاب دينهم وشتت أمرهم وقطع حبال وصالهم وأعضل بهم وكانت وصيتهم لكل من أتى مكة من غير أهلها أن يصم أذنيه عن سماع الوحي والشريعة الربانية لأن كلامه صلى الله عليه وسلم كالسحر يفرق به بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه …هذه كانت وصيتهم المشؤومة للغريب لئلا يحل به ما حل بهم من الكساد والخراب والبوار زعموا وهم بدورهم قد ورثوا هذا عن كفار قوم نوح عليه السلام عبر سلسلة من الأجيال الكافرة بينهما.
أحببت بهذا أن أذكرك بسلسلة سندك الخبيث في افترائك الباطل حول شريعتنا الإسلامية التي لا نجاة لأحد إلا بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ.
***

الوقفة الثامنة
(من يريد تطبيق الشريعة فورا فقد أتى بما لم يأت به الأولون)

ألهذا الحد بلغت بك الجرأة في محادة من يريد تطبيق الشريعة فوراً وأريد أن أعرف منك من هم الأولون ؟
فإن عنيت بهم: حسنى مبارك وأنور السادات وجمال عبد الناصر والأسد والقذافي وعلي صالح (الذي ليس له من اسمه أي نصيب)… فقد صدقت وبررت في دعواك الكالحة. وإن قصدت بالأولين: النبيين وأتابعهم بإحسان إلى يوم الدين فقد كذبت وغششت.
وأريد منك الإجابة على هذا السؤال لصالح من وفي جانب من تكلمت بهذا الكلام الباطل العاطل ؟
أفمن يريد تطبيق الشريعة فوراً ليس له إمام يأتم به من النبيين والصديقين والصحابة والتابعين ؟ سبحناك ياربنا هذا بهتان عظيم وإفك مبين.
هل تصورت ما تقول ؟ وهل وعيت كم من الشر تجلبه كلماتك على الأمة المستضعفة؟ وهل دريت كم من الضلال سيحل على أتباعك فيه ؟
اسمع يا محمد وياراشد الغنوشي والله لا بد من توبة كتوبة كعب بن مالك رضى الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك وتكون معلنة وصريحة كإعلانكما وصراحتكما في افتراء الباطل وجلب الشر على الإسلام والمسلمين بكلامكما المشين.
اللهم بلغت اللهم فاشهد … اللهم بلغت اللهم فاشهد…
وقبل الختام أعرض على عجالة حكم الامتناع عن إحدى الشرائع الإسلامية الظاهرة المتواترة ليعلم صحة خروج الرعية على الممتنعيين عن تطبيق شريعة رب العالمين وإله المرسلين ومشروعيته في حال القدرة عليه.

حكم الامتناع عن تطبيق الشريعة في شئ

لا شك أن مشروعية أي حاكم مرتبطة ومنوطة بقبول حكم الله ورفض حكم ما سواه. فالإمامة العظمى (موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)/ الأحكام السلطانية للماوردي.
فكيف يخلف (إمام ما) النبي في حفظ الدين وحماية البيضة وتأمين الثغور وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق إذا كان يحكم بالشرائع البشرية ويمنع شريعة الخالق من الحكم بها والتحاكم إليها.
فالخلافة عقد يستوجب به الحاكم الطاعة والنصرة من الأمة إذا قام بتطبيق شريعة الإسلام وحدها ((وَصِفَةُ الْعَقْدِ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ : قَدْ بَايَعْنَاك عَلَى إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْأُمَّةِ وَلَا يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى صَفْقَةِ الْيَدِ. فَإِذَا ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ لَزِمَهُ حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا سَلْفُ الْأُمَّةِ فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ حِرَاسَةً لِلدِّينِ مِنْ الْخَلَلِ، وَتَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ خُصُومَتِهِمْ وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَوْزَةِ ؛ لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ وَيَسِيرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمِنِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ عِبَادِهِ، وَتَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ، وَجِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَتَقْدِيرُ مَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِلَا سَرَفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتِهِ بِلَا تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَاسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوِّضُهُ إلَيْهِمْ ضَبْطًا لِلْأَعْمَالِ وَحِفْظًا لِلْأَمْوَالِ، وَأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَيَتَصَفَّحَ الْأَحْوَالَ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ فَرُبَّمَا خَانَ الْأَمِينُ وَغَشَّ النَّاصِحُ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِحُقُوقِ الْأُمَّةِ فَلَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ : الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ.) (شرح منتهى الإرادات)
ولذلك كان المقصود الأعظم من تشريع جميع الولايات في الإسلام هو الالتزام بحكم الله وحده ورفض حكم ما سواه مع عقد الولاء والبراء عليه إيجابا وسلبا حتى يكون الدين والطاعة كلها لله وحده وعلى ذلك جاهد المجاهدون.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى :((هذه قاعدة في الحسبة )). أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون.

قال الله تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) (الذاريات :56). وقال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) (يوسف:109) وقال:((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)) (النحل:36) .وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى:( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله) (الأنفال/39) (مجموع الفتاوى 28/61).
ومن ثم كان الخروج على الأنظمة التي لا تطبق شريعة الله وحدها عند القدرة عليه من أعظم الحسنات وأجل القربات إليه سبحانه لأنه به يحفظ الدين ويقمع الطغاة والمفسدين.
وعلى هذا كان أول قتال وقع بعد موت النبي –صلى الله عليه وسلم بقيادة الصديق –رضي الله عنه – وأجمعت الأمة عليه جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن.

قال الإمام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى- :(وقال أبو العباس ابن تيمية أيضا في الكلام على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة. بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: “والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه” فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة. وكان من أعظم فضائل الصديق – رضي الله عنه – عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما يتوقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله. وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم. انتهى .
فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعين والشهادة عليه إذا قتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين. قال رحمه الله بعد ذلك : وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة. انتهى كلامه
ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال عمن قصد اتباع الحق إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام على من ادعى أنه من المسلمين. فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع، أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الوقعات التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة – رضي الله عنهم – إلى وقتنا هذا) ( مفيد المستفيد في حكم جاهل التوحيد ) (وقد شرحناه كاملا بفضل الله فاظفر به)
وبذلك كان الامتناع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة موجبا لقتال أصحابه بالإجماع عند القدرة عليه وعندما دخل التتار في الإسلام ظاهرا ونطقوا بالشهادتين والتزموا ببعض الشرائع دون بعض كان هذا موجبا لقتالهم حتى يكون الدين والطاعة كله لله

سئل ابن تيمية – رحمه الله تعالى – عن حكم قتال التتار؟ ومن أي الوجوه هو ؟ فأجاب: (الحمد لله كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة -رضى الله عنهم – مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضى الله عنهما فاتفق الصحابة رضى الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة) (مجموع الفتاوى)
وقال أيضاً ناقلا الإجماع على وجوب قتال الممتنعين عن التزام شرائع الإسلام : (( فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام، وإن تكلم بالشهادتين )) (مجموع الفتاوى)
وقال الحافظ ابن كثير –رحمه الله تعالى – مؤكداً على صحة الإجماع بعد أن ذكر جملة من شرائع الياسق، ذاك الكتاب الخبيث الذي حكم به التتار بعد دخولهم ظاهراً في الإسلام، وعقدوا عليه الولاء والبراء:
(( وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟!! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الله تعالى😦 أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) ” المائدة/65″وقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء/65) ( البداية والنهاية 13/139 )

وقال ابن تيمية مؤكداً على صحة الإجماع : (( أجمع علماء المسلمين على أن كل طائقة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله )) (مجموع الفتاوى28/468)
وعليه فأيما نظام حكم بحكم الجاهلية ووالى عليه ونحى به شريعة الله، التي هي شريعة المسلمين عن الحكم بها والتحاكم إليها فهو نظام غير شرعي ولا كرامة لأصحابه وللعمائم التي تدور في مداره منافحة عن ظلمه وطغيانه أيا كانت أسماء هذه الشيوخ الذين باعوا دينهم بدنيا أسيادهم من طواغيت الحكم وكهنة الفساد. قال الله تعالى: ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )
. قال الحافظ ابن كثير فيها : قوله ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواء في قليل ولا كثير) ( تفسير ابن كثير 3/131 )

وبهذا تثبت شرعية الخروج على الأنظمة التي تحكم بالشرائع الوضعية الوضيعة بدلا من شريعة الرحمن التي هي شريعة الإسلام والمسلمين عند القدرة عليه ومتى يغلب على ظن العلماء الربانيين تحقيق مصالح تربو على مفاسد الخروج من سفك للدماء وانتهاك للأعراض ونحوه.

وقبل المغادرة نذكر بوجوب التفريق بين من مر ذكره من حكم الطواغيت زبانية الظلم وأرباب الفساد وبين عبد موحد تقلد مقاليد حكم المسلمين والتزم حكم الله في القليل والكثير إلا أنه عجز عن تطبيق بعض الشرائع عملا بحكم الله فيما عجز عن تطبيقه ولسان حاله يقول : يارب لقد اتبعت حكمك فيما عجزت عنه لضعفي وضعف من ورائي وإعمالا للحكم والعلل التي جاعت بها شريعتك الغراء كما لم يستطع نبيك صلى الله عليه وسلم في آخر حياته هدم الكعبة لإعادة بنائها على قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام .
قالت السيدة عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق – رضي الله عنهما – زوج النبي في الدارين : أَنَّ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ لَهَا « يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ) متفق عليه واللفظ للبخاري
فالله سبحانه لا يكلف نفسا إلا ما وسعها وأمكنها منه دون ما عجزت عنه أو ترتب على فعله مفسدة تربو مصلحته وعلى هذا أحكم الله شريعته التي لا يرضى المسلم بغير تطبيقها فورا.
قال ابن تيمية: (الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين) ( منهاج السنة )
وقال ابن القيم: (وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وان تزاحمت قدم أهمها وأجلها وإن فاتت أدناها. وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وأن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناها وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل) (مفتاح دار السعادة )
وفي الختام نذكر بوجوب خوض الصراع عقديا مع كافة الملل والنحل الخارجة عن فطرة الخالق ودين المرسلين مع عدم الخضوع أو الانحناء لضغوط الكفار وعواصف المنافقين فهم لم ولن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم والله نهانا عن اتباع أهوائهم. وكذا نذكر بعدم الضعف واليأس في تعقب أعداء تحكيم شريعتنا من العلمانيين وسائر أعداء الدين قال تعالى : ( وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء/ 104).
وليكن شعار المرحلة لكل من عادى شرع الله : ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (119/ آل عمران)

والحذر الحذر من سلم الرضوخ لضغوط العلمانيين واللبراليين فهذا السلم له بداية ولكن ليس له نهاية إلا المروق من الدين والخروج عن سنة المرسلين .
اللهم ثبتني ومحمد عبد المقصود وكافة إخواني الموحدين على الإسلام حتى الممات واجعلنا سلما لأوليائك حربا لأعدائك وأغظ بنا كل من حاد عن صراطك المستقيم وأقم بنا علم الجهاد واقمع بنا أهل الشرك والعناد.
وصل الله على نبيك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
***
هم الموحدون لا يشق لهم غبار ### إذا قصرت أعناق غيرهم فأعناقهم طوال

كتبه أخوكم
مدحت بن الحسن آل فراج

كتب صدرت للكاتب
العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي –مجلد- مطبوع ومترجم للغة التركية والبوسنية
آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد – مجلد- مطبوع
كيف تدعو ملحدا –رسالة صغيرة- مطبوع ومترجم لأكثر من لغة
فتاوى الأئمة النجدية حول قضايا الأمة المصيرية –أربع مجلدات- مطبوع
المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد – مجلد- مطبوع ومترجم للغة البوسنية
فتح العلي الحميد في شرح مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد –مجلد- مطبوع
الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد بشرحنا وتحقيقنا –مجلد- مطبوع
دليل الفطرة والميثاق –مجلد- مطبوع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s