استراتيجية السيطرة والانسحاب عند الحركات الجهادية


استراتيجية السيطرة والانسحاب عند الحركات الجهادية

شؤون استراتيجية

STRATEGYAFFAIRS@

ذكر المستشرق الإنجليزي “ألفرد جيوم” في إحدى كتاباته : أن الشعوب في مصر والشام والعراق وغيرهم استقبلت المسلمين بالترحاب لأنهم خلصوهم من الإبتزاز الإمبراطوري الروماني والفارسي.إنتهى. وقد اختصرت هذه العبارة عاملا من أهم العوامل التي ساعدت على إنجاح حركة الفتوح الإسلامية في الشام وبقية البلدان ، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفتحون البلدان والقلوب في آن واحد ، فإن خسروا الأولى تبقى معهم الثانية ، فتلك الشعوب التي لم تتعود إلا الإستعباد والذل والمهانة من الأنظمة التي كانت تسوسها أو من تلك التي تستعبدها بعد الإحتلال انبهرت بالنظام الإسلامي القائم على العدل والرحمة وإعطاء كل ذي حق حقه وإن كان من غير المسلمين ومن هذا ما حدث في الشوط الثاني من فتوحات الشام فعندما حشد هرقل حملته العسكرية الضخمة لاسترداد الشام والتي بلغ قوامها 200 ألف جندي قرر المسلمون الإنسحاب من حمص لقربها من الجيش الروماني فقام المسلمون حينها برد الجزية كاملة لأهل حمص لعدم تمكنهم من حمايتها فتأثر أهل حمص كثيرا وقالوا : “قاتل الله من كان يحكمنا من الرومان والله لو كانوا هم ما ردوا إلينا شيئا ، أعادكم الله إلينا سالمين” . ثم توالت الإنسحابات بعد ذلك من دمشق إلى الجابية ثم إلى المحطة الأخيرة في “أذرعات” وقد كانت الجيوش الرومانية الجرارة في هذه الآونة تدخل تلك المدن التي تم الإنسحاب منها فتعيث فيها فسادا ، وهذا ما جعل أهل تلك الديار يقارنون ما كانوا فيه أيام حكم المسلمين وبين ما عادوا إليه من الظلم والجور ، فمع أن قرار الإنسحاب من تلك المدن كان صعبا ومؤلما على المسلمين إلا أن الذكريات التي تركوها خلفهم كانت كفيلة بتسهيل عودة المسلمين لتلك المدن بعد إلحاق الهزيمة بالحملة الرومانية وهذا ما حدث بعد المعركة الفاصلة في “اليرموك” ، فأهالي تلك المدن لم يقدموا أي إسناد يذكر للأرتال الرومانية المنسحبة من اليرموك كما يحصل عادة لمن يمتلك مناطق خلفية موالية ، وهذا ما جعل الرومان يكملون الهزيمة إلى خارج الشام وبلا رجعة !

ومن هنا نفهم استراتيجية الحركات الجهادية في السيطرة والإنسحاب من المدن فحركة طالبان في أفغانستان قدمت نموذج جيد في الإدارة والحكم تمثل في استتباب الأمن في بلاد مزقتها الحروب الأهلية وبعد الغزو الأمريكي انسحبت من المدن لتخوض مواجهة ضد المحتل وعملائه في حرب طويلة كشفت وجه المحتل القبيح وأثبتت صدق مبادئ المجاهدين وهذا ما جعل البساط يسحب من تحت الأمريكان تدريجيا وهو نفس السيناريو المتوقع للفرنسيين في مالي .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s